أزمة وقود الطائرات تلفح لبنان: تراجع الرحلات وارتفاع الأسعار

  • 30 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    هاني عضاضة -

    تواجه شركات الطيران العالمية ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص حاد في وقود الطائرات (Jet A-1 أو الكيروسين عالي النقاء والمكرر) وارتفاع أسعاره، بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز. وتجسَّدت هذه الضغوط بشكل جلي في شهر أيار/مايو 2026، حيث عمدت شركات طيران دولية كبرى إلى تعديل جداول رحلاتها سعياً للحد من استهلاك الوقود. وقد أظهرت بيانات شركة "سيروم" لتحليلات الطيران أن شركات الطيران ألغت حوالى 13000 رحلة جوية، ما أدى إلى إزالة نحو 2.1 مليون مقعد من جداول رحلاتها لهذا الشهر. وقد انخفض إجمالي عدد المقاعد المتاحة للركاب من 132 مليون إلى 129.9 مليون مقعد خلال شهر واحد فقط، معظمها على خطوط آسيا-أوروبا والشرق الأوسط، وجزء منها من وإلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت نظراً للظروف الأمنية في لبنان.

    وفي مختلف أنحاء العالم، بدأت الشركات تتجه بشكل متزايد إلى استخدام طائرات أصغر حجماً وأقل وزناً وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود، واستبدلت بعض الشركات بالفعل طائرات من طراز إيرباص A350 بطائرات من طراز بوينغ 787، فيما قامت شركات عديدة برفع أسعار التذاكر. وقد أدى تقليص شركات الطيران لعدد رحلاتها واتخاذ إجراءات لترشيد الوقود إلى تراجع الطلب على وقود الطائرات والكيروسين بشكل حاد، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. أما الخسائر الإجمالية لقطاع النفط منذ شباط فبلغت 12.8 مليون برميل يومياً.

    على الرغم من دخول الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في 8 نيسان، إلا أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز استمر، ما أدى إلى ارتفاع المتوسط العالمي لأسعار وقود الطائرات إلى 185 دولاراً أميركياً للبرميل في منتصف نيسان، قبل أن يعود وينخفض قليلاً ليبلغ 163 دولاراً للبرميل في منتصف أيار بحسب الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا). وقد تفاقمت الأزمة في دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بشكل خاص، حيث بلغ سعر الوقود عتبة الـ 215 دولاراً للبرميل نتيجة الاعتماد الشديد على تدفقات الوقود من الشرق الأوسط.

    وفي ظل استمرار تعطيل الملاحة وغياب التقدم في المحادثات، تتزايد التوقعات بارتفاعات إضافية في الأسعار واحتمال حدوث صدمة طويلة الأمد في الإمدادات. فقد اعتبرت "مورغان ستانلي" أن استمرار التعطيل حتى حزيران/يونيو سيؤدي إلى زيادة سعر خام برنت إلى 150 دولاراً للبرميل (مقارنة بـ 85-90 دولاراً قبل اندلاع الحرب). وباعتماد الفارق السعري الحالي أو هامش التكرير (Crack Spread في الصورة أدناه) الذي يبلغ اليوم حداً أدنى مقداره 50 دولاراً للبرميل، فإن سعر وقود الطائرات مرجّح للارتفاع إلى 200 دولار للبرميل إذا ما ارتفع سعر خام برنت إلى 150 دولاراً للبرميل. وإذا تفاقمت الأزمة بفعل تعطل المصافي واضطراب سلاسل التوريد فقد يرتفع الفارق السعري إلى 100 دولار، وقد يصل سعر وقود الطائرات إلى 250 دولاراً للبرميل، وهو سيناريو كارثي بالنسبة لقطاع الطيران. أما في السيناريو الأكثر تفاؤلاً بعودة الملاحة الطبيعية خلال حزيران، فيتوقع بعض الخبراء انخفاض سعر وقود الطائرات إلى نحو 140 دولاراً مع بداية فصل الصيف.

    غير أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وحده لا يفسر كامل الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، فهناك عوامل متداخلة أخرى ساهمت في تضييق المعروض العالمي من المشتقات الوسطى (نواتج عملية تكرير النفط الخام). وتشير بيانات مؤسسة "إنرجي إنتليجنس" إلى أن أعطال مصافي النفط الروسية، الناجمة عن موجة من هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية، قد أدت إلى انخفاض إضافي حاد في إنتاج المشتقات الوسطى خلال الشهرين الماضيين. وكان إنتاج وقود الطائرات الأكثر تضرراً، إذ شهد انخفاضاً إضافياً بنحو 15% في نيسان.

    تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان

    لكن الأزمة تضرب لبنان بقسوة مضاعفة، فهو أصلاً على حافة الهاوية، وقطاع الطيران اللبناني مهدَّد بشكل كبير في ظل العدوان الإسرائيلي المتصاعد، كما أنه يعتمد بشكل كامل على استيراد وقود الطائرات.

    وعلى الرغم من عدم وجود مشكلة في تأمين مادة الكيروسين في الوقت الحالي، إلا أن سعر الطن من هذه المادة في مطار بيروت قفز بنسبة 100%، وتأمينها يزداد صعوبة مع الوقت، وفقاً لرئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط، مارون شمّاس، الذي أشار في تصريح لـ"المدن" إلى أن "الكميات المتوفرة حالياً من وقود الطائرات في مطار بيروت تكفي لعدة أسابيع"، مضيفاً أن "هناك بواخر محمَّلة بمادة الكيروسين في طريقها إلى لبنان وستصل قريباً"، مؤكّداً أن الكميات المستهلكة حالياً في المطار هي أقل من نصف الكمية المخزَّنة.

    وقال شمّاس: "منذ بداية الحرب، ارتفع سعر مادة الكيروسين بنسبة 100%، كما ازدادت كلفة الشحن والتأمين ورسوم البريميوم بشكل ملحوظ". وبالنسبة لمصادر التوريد، أكَّد أن وقود الطائرات الذي يستورد إلى لبنان لا يأتي عبر مضيق هرمز، بل من مصافي النفط المجاورة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وعلى رأسها مصافي اليونان وتركيا. ولكنه أشار أيضاً إلى أن "تأمين المادة بشكل منتظم أمرٌ بالغ الصعوبة بسبب أزمة الإمدادات والأسعار التي أصبحت مرتفعة جداً".


    طيران الشرق الأوسط و"فلاي بيروت"

    تداعيات ارتفاع أسعار وقود الطائرات لم تقتصر على الأسواق العالمية، بل طالت بشكل مباشر شركة طيران الشرق الأوسط (MEA)، فوفقاً لمصدر إداري في الشركة رفض الكشف عن اسمه، ارتفعت حصة الوقود من إجمالي النفقات التشغيلية للشركة من نطاق يتراوح بين 39 و40% قبل الأزمة إلى ما بين 60 و63% حالياً. وهذا الضغط دفع الشركة، مثل غيرها، إلى رفع أسعار التذاكر بشكل تدريجي لتعويض جزء من الزيادة في التكاليف، وهو ما يضع المسافرين أمام عبء مالي إضافي.

    هذا الوضع يلقي بظلاله أيضاً على الخطط المستقبلية. فمن المقرر أن تطلق MEA مشروع "فلاي بيروت"، وهو شركة تابعة تقدم نموذج الطيران المنخفض التكلفة للرحلات الإقليمية والأوروبية، على أن تبدأ عملياتها رسمياً في حزيران 2027، وفقاً للمصدر. لكن المصدر نفسه حذَّر من أنه في حال استمرار الأزمة الحالية في أسعار الوقود لوقت طويل، فمن المحتمل أن يتأخر إطلاق المشروع، لأن الهدف الأساسي منه هو توفير تذاكر طيران بأسعار تنافسية ومنخفضة للمسافرين، وهو أمر لن يكون ممكناً إذا استمرت تكاليف التشغيل في الارتفاع.