توزيعٍ استثنائي للتكليفات والمهام السياسية.. ماذا يحصل داخل الحزب؟!

  • 27 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    عبد الله قمح -

    رفع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم من سقف خطابه في مناسبة ذكرى المقاومة والتحرير، عبر تأكيده على رفض تسليم السلاح، وعلى الطلاق الكلي مع الحكومة بوصفها "أداة بيد الخارج"، ملمحاً الى "حق الناس في النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة" بالرغم من وجود وزيرين للحزب فيها. خطوة تعكس، من زاوية معينة، محاولة تجميع عناصر القوة التي راكمتها المقاومة منذ الثاني من آذار الماضي، واستخدامها في تعزيز المناخ الوقائي للمقاومة داخلياً، وتأكيد أنها ما تزال في موقع المبادرة لا في موقع الضعف أو الانكفاء.

    وفي جانب آخر، يعكس هذا التصعيد في اللغة ارتفاع منسوب التفاوض السياسي مع الدولة اللبنانية نفسها. فالحزب يعتقد أن إظهار عناصر القوة، ولا سيما أمام السلطة الحالية، يدفع إلى ضمان موقعه داخل المعادلة السياسية، وهذا ما قد يدفع بالسلطة إلى تليين مواقفها. وقد يكون الحزب يراكم على سياقات الرفض في محاولة دفع الدولة إلى التراجع عن خطوات اتخذتها ومن بينها منطق التفاوض المباشر.

    لا يمكن فصل تشدد الحزب عن التشدد الإيراني الموازي. فحين تشدد طهران، في مشروع مسودة اتفاق الإطار مع الأميركيين، على ضرورة وقف الحرب على كافة الجبهات، وفي مقدمها لبنان، وتبلغ المعنيين أنها لن تمضي إلى أي إتفاق من دون تحقيق هذا البند، وتجعله في مرتبة متقدمة، بالتوازي مع سعيها إلى تحييد حلفائها عن أي استهداف مستقبلي وضمان ذلك، يصبح من الطبيعي والمنطقي أن يتشدد الحزب وينعكس تشدده على مواقفه. ولذلك بدا خطاب قاسم منسجماً مع الإيقاع التفاوضي الإيراني، خصوصاً أن لحظة التفاوض الحالية لا تترك هامشاً واسعاً للمناورة، ويكون الخطاب نوعاً من التوظيف في مواجهة محاولات عزله داخلياً في لبنان.

    منطقياً، لم يكن لهذا التشدد أن يكتسب هذا الزخم لولا نجاح الحزب، في تحويل جبهة الجنوب إلى ساحة استنزاف مؤذية للإسرائيليين، بما أتاح له رفع مستوى خطابه السياسي والتفاوضي.

    ويبدو أن الحزب فهم ضرورات المرحلة من طبيعة الرسائل الإيرانية التي وصلته، سواء بصورة مباشرة أو عبر قنوات غير معلنة، وليس آخرها الرسائل التي نقلها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى قيادة الحزب، وتحديداً إلى الشيخ نعيم قاسم. وحيث يفهم أن ذلك كله يدفعه للإستمرار في إعتماد نهجه الحالي في توجيه الضربات ضد الإسرائيليين، ما يكفل بقائه على الطاولة.

    وفق مصادر مقربة من الحزب، فإن عراقجي يجري تواصلاً دائماً مع قيادة حزب الله، ويضعها بصورة مستمرة في تطورات المفاوضات والموقف الإيراني. كما يتردد أن للحزب موفداً غير معلن في طهران يحضر بصورة مباشرة في النقاشات المرتبطة بالمفاوضات مع الأميركيين، وينقل إلى طهران رؤية الحزب ومصالحه، لتُترجم لاحقاً إلى بنود تفاوضية ضمن المقاربة الإيرانية الأشمل.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع معلومات تتحدث عن تقارب ملحوظ بين الحزب والباكستانيين في بيروت، في سياق إعادة تشكيل شبكة العلاقات التي تأثرت بعد الحرب ما قبل الأخيرة.

    التحول داخل حزب الله لم يعد يقتصر على التكتيكات العسكرية أو تطوير أدوات القتال والتكنولوجيا المستخدمة في الميدان، بل بات يشمل أيضاً إعادة صياغة التكليفات والأدوار داخل البنية السياسية والتنفيذية للحزب نفسه.

    ويأتي ذلك نتيجة ارتفاع ناجم عن حجم المخاطر التي باتت تحيط بقيادة الحزب، بالتوازي مع ارتفاع قيمة الحزب العسكرية والسياسية في معادلات المواجهة الحالية.

    وخلال الأيام والساعات الماضية، صعّدت إسرائيل من تهديداتها بتوجيه ضربات «كبيرة ومكثفة» ضد الحزب. صدر ذلك عم لسان الجيش وأيضاً عن لسان بنيامين نتنياهو نفسه. ويقدّر حزب الله أن هذه التهديدات لا تعني فقط توسيع الحرب ميدانياً، بل قد تشمل استهداف مستويات إضافية داخل البنية القيادية والسياسية للحزب، خاصة بعد موجة العقوبات الأميركية الأخيرة، بعدما كان التركيز سابقاً على البعد العسكري والأمني.

    وبحسب ما يُفهم داخل الحزب، فإن هذا التقدير سبق المرحلة الحالية، وهو ما دفعه إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية جسمه السياسي والقيادي.

    وقد فرضت التهديدات الإسرائيلية واقعاً جديداً داخل الحزب، يقوم على تأمين المستوى السياسي الأول وتقليص ظهوره العلني إلى الحد الأدنى. وتشير المعطيات إلى أن الجهات الأمنية في الحزب اعتمدت بروتوكولات جديدة تتعلق بالحركة والتنقل والظهور الإعلامي للشخصيات القيادية.

    ولذلك وعلى سبيل المثال، بات حضور رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد يقتصر على مناسبات محدودة جداً، فيما تُنقل مواقفه أو تعكس عبر مقالات مكتوبة أو بيانات أصدرت عنه وتتولى مؤسسات الحزب الإعلامية والتنظيمية توزيعها. ينسحب الأمر نفسه على الوزير السابق وعضو مجلس الشورى محمد فنيش، الذي كان يتولى متابعة الملفات الحكومية والوزراء المحسوبين على الحزب. ينطبق ذلك أيضاً على شخصيات أخرى، بينها مسؤول العلاقات الدولية في الحزب السيد عمار الموسوي.

    وفي سياق إعادة هندسة الأدوار، برز بشكل واضح تعزيز دور النائب حسن فضل الله، الذي بات يتولى عملياً جزءاً كبيراً من مهمة التواصل السياسي الداخلي، وينوب عن محمد رعد في متابعة العلاقة مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبنسبة معينة مع رئيس مجلس النواب وشخصيات سياسية أخرى.

    وقد لوحظ مؤخراً، أن فضل الله، بات يتولى الاتصالات الأساسية مع مستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال، وبنسبة معينة مع المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير. كما تردد أن هناك محاولات لترتيب لقاء بين فضل الله والرئيس جوزاف عون في قصر بعبدا، إلا أن قيادة الحزب لم تعطِ موافقتها النهائية بعد، بسبب اعتراضها على توجهات الرئاسة نحو التفاوض المباشر وعدم استعدادها لإعادة النظر في هذا المسار.

    وفي إطار إعادة توزيع المهام أيضاً، يتقدم دور رئيس تكتل نواب البقاع النائب حسين الحاج حسن، الذي بات يتولى جانباً من الملفات الحكومية والتنظيمية التي كانت تُدار سابقاً عبر الوزير محمد فنيش، بما في ذلك متابعة شؤون الوزراء المحسوبين على الحزب والتنسيق السياسي المرتبط بالحكومة.

    سبق للحزب أن كلّف رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية النائب إبراهيم الموسوي الإشراف على القطاع الإعلامي داخل الحزب، في إطار عملية إعادة هيكلة تهدف إلى تطوير الأداء الإعلامي وتنظيمه بما يتناسب مع المرحلة الجديدة.

    أمنياً، يبرز دور مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الجديد الحاج حسين عبدالله، الذي يعمل على إعادة فتح قنوات التواصل مع الأجهزة الأمنية، وقد سجلت له خلال الفترة الماضية زيارات ولقاءات ذات طابع أمني رافقه فيها عدد من نواب الحزب.

    وفي ما يتعلق بالعلاقات مع الحلفاء والقوى السياسية القريبة أو تلك التي يرى الحزب ضرورة في إبقاء قنوات التواصل معها مفتوحة، يبرز دور الدكتور أحمد مهنا، الذي يتولى جزءاً من هذا الملف، إلى جانب مهامه المرتبطة بمساعدة مسؤول وحدة العلاقات الخارجية.

    من هنا، يمكن فهم إعادة توزيع التكليفات داخل الحزب باعتبارها جزءاً من خطة وقائية شاملة.

    يبدو واضحاً أنَّ الحزب يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها تتجاوز المواجهة العسكرية والأمنية والمالية التقليدية، لتطال أيضاً البعد الاجتماعي المرتبط بمؤسسات الدعم الأهلي التابعة له، فضلاً عن استهداف المؤسسة السياسية نفسها، بوصفها العقل الذي يدير قرار الحزب ويوجهه. لذلك كان قاسم خلال كلمته الأخيرة، محتداً حين ألمح إلى وجود محاولات لتمرير قرارات بإقفال القرض الحسن. ومن وجهة نظر الحزب، فإنَّ أيَّة خطوة مماثلة تمثل اعتداء يتجاوز أيَّة قدرة على هضمه!