-
شربل البيسري -
منذ انهيار القطاع المصرفي اللبناني في تشرين الأول 2019، دخلت الدولة في أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، ففقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها، وتجمَّدت الودائع المصرفية، وأُفقر الملايين من السكان. في محاولة لمعالجة هذه الأزمة، وبضغط من صندوق النقد الدولي، أقرّ المجلس النيابي اللبناني في تموز 2025 القانون رقم 23 المتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها. غير أنّ الحكومة أرسلت تعديلَين شاملَين على هذا القانون: الأول في كانون الأول 2025 والثاني في أيار 2026، ممّا يعكس حالة من عدم الاستقرار التشريعي والمحاولات المتكرّرة للالتفاف على المتطلّبات الدولية.
الانهيار لم يكن عرضياً، بل نتيجة سياسات مالية خاطئة وفساد مؤسسي متفشٍ استمر لسنوات. في 2022، وقّع لبنان اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، لكنّ هذا الدعم ظل معلقاً بسبب عدم استيفاء الشروط المسبقة.
من بين هذه الشروط، ثلاثة قوانين أساسية: تعديل قانون السرّية المصرفية (تمّ إقراره في نيسان 2025 بعد سلسلة تعديلات بدأت عام 2020)، قانون إصلاح المصارف (أُقرّ في تموز 2025)، وقانون معالجة الفجوة المالية (قيد الصياغة الحامية بين الحكومة ومصرف لبنان والمودعين وصندوق النقد الدولي). هذه القوانين الثلاثة تشكّل العمود الفقري لأي برنامج إصلاح حقيقي، لكنّ الممارسة على الأرض تظهر فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والالتزام الفعلي بروح الإصلاح.
التعديل الثاني على قانون إصلاح المصارف، الذي أرسلت الحكومة مسودته في كانون الأول 2025، تناول 23 مادة من القانون الأصلي. بينما التعديل الثالث، الذي وصل إلى المجلس النيابي في أيار 2026، يشمل 28 مادة، ممّا يعكس شمولية أكبر وتغييرات أعمق. لكنّ هذا التطوُّر ليس بالضرورة إيجابياً.
بشأن تشكيل الهيئة المصرفية العليا: التعديل الثاني اقترح اختيار الخبير الاقتصادي من لائحة محصورة يعدّها «تجمُّع الهيئات الاقتصادية»، وهو تجمُّع يضمّ جمعية المصارف كعضو فاعل. هذا يعني عملياً أنّ جمعية المصارف لها نفوذ غير مباشر على تعيين الخبير، بينما هي جزء أساسي من الأزمة. لكنّ التعديل الثالث تراجع عن هذا الحصر، وأصبح التعيين من صلاحية مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الاقتصاد. وهذا يمثل خطوة إيجابية لتقليل نفوذ جمعية المصارف بشكل مباشر، لكنّه يزيد من نفوذ السلطة السياسية.
بخصوص تمثيل المودعين: التعديل الثاني احتفظ بممثل من مؤسسة ضمان الودائع (يُسمّى من وزير المالية)، ممّا يحافظ على تمثيل نظري للمودعين. التعديل الثالث استبعد هذا الممثل واستبدله بنائب حاكم مصرف لبنان يختاره المجلس المركزي للمصرف. هذا يمثل تراجعاً واضحاً، إذ يُضعف تمثيل المودعين الصغار، الذين هم الضحايا الأساسيّون للأزمة.
التركيبة النهائية للهيئة المصرفية العليا
تتألف الهيئة المصرفية العليا (الغرفة الثانية) من 7 أعضاء: حاكم مصرف لبنان (رئيساً)، النائب الأول لحاكم المصرف، نائب آخر يختاره المجلس المركزي للمصرف، مدير المالية العامة (الذي هو عضو في المجلس المركزي أيضاً)، خبير مالي، خبير اقتصادي، وقاضٍ متخصِّص. هذا يعني أنّ 5 من الأعضاء الـ7 مرتبطون بمصرف لبنان أو وزارة المالية، ممّا يشكّل غلبة واضحة للسلطة التنفيذية.
هذا التركيز للسلطة مثير للقلق بشكل خاص، لأنّ حاكم مصرف لبنان السابق (رياض سلامة) كان مسؤولاً عن تركيز السلطة الذي يُعتقد أنّه أدّى للانهيار المالي. وإعادة تركيز السلطة بيد حاكم المصرف الحالي ينضوي على مخاطر إبقاء سلطة كبرى بيَد المصرف المركزي، بينما يجب عليه تحمُّل جزء من المسؤولية.
النقد الموجَّه للقانون
المجتمع المدني والمراقبون الدوليّون انتقدوا القانون بشدة. المرصد البرلماني اللبناني وتنظيمات مثل TIMEP أشارت إلى أنّ القانون يركّز السلطة في أيدي جهات مرتبطة بالقطاع المصرفي بدلاً من هيئة مستقلة حقاً. بدوره، المجلس الدستوري أبطل بعض أحكام القانون في تشرين الأول 2025، لكن بطريقة مثيرة للجدل: أبطل قيود حق المصارف في الطعن في قرارات الهيئة، ممّا يفتح الباب أمام تأخير إعادة الهيكلة عبر الطعون المتكرّرة.
كما أنّ القانون لا يعالج مسألة المساءلة. لا توجد آلية واضحة لملاحقة المسؤولين عن الانهيار المالي، ممّا يعكس نمطاً تاريخياً في لبنان من تجنُّب المساءلة.
من جهته، يطالب صندوق النقد الدولي بـ5 متطلبات أساسية: هيئة مستقلة تماماً، تقييم دقيق للأصول محايد وشامل، توزيع عادل للخسائر يحمي المودعين الصغار، شفافية كاملة، وآلية واضحة للمساءلة. تقييم التعديل الثالث يظهر أنّ درجة التوافق مع هذه المتطلبات ضعيفة جداً:
- الاستقلالية: 40% فقط (هيمنة مصرف لبنان ووزارة المالية)
- التقييم المحايد: 50% (لجنة الرقابة تابعة لمصرف لبنان)
- حماية المودعين: 35% (استبعاد ممثل مؤسسة ضمان الودائع)
- الشفافية: 55% (غموض في التعريفات والإجراءات)
- المساءلة: 20% فقط (لا توجد آلية واضحة)
نمط التشريع المتدحرج
ظاهرة مثيرة للقلق هي أنّ الحكومة أرسلت 3 صِيغ مختلفة من القانون منذ تموز 2025، وقد لا يكون الأخير. الحكومة لا تبرّر أسباب التعديلات، بل تكرّر الأسباب الموجبة الأصلية. لجنة المال والموازنة لم تجتمع لمناقشة التعديل الأول على رغم من مرور 6 أشهر. هذا يعكس تخبُّطاً حكومياً ومحاولات نيابية متكرّرة للالتفاف على متطلبات الصندوق.
هذا النمط يشبه ما حدث مع قانون السرّية المصرفية، الذي شهد تعديلات متكرّرة بين 2020 و2025، كلّها بهدف الاستجابة لمتطلّبات صندوق النقد الدولي. يبدو أنّ لبنان يتبع نهجاً تدحرجياً في التشريع، إذ تُقدَّم تعديلات متتالية على أمل الوصول إلى ما يرضي الصندوق في النهاية.
التعديل الثالث لقانون إصلاح المصارف يمثل خطوة محدودة في الاتجاه الصحيح، لكنّه لا يزال بعيداً من متطلّبات صندوق النقد الدولي والمعايير الدولية للإصلاح المصرفي. القانون يركّز السلطة في أيدي جهات حكومية بدلاً من هيئة مستقلة، ويضعف تمثيل المودعين، ويفتقر إلى آليات واضحة للمساءلة.
-