عيب التأسيس... لبنان والسؤال الذي لم يُطرح يوماً

  • 25 May 2026
  • 54 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عساف -

    ثمة دول بُنِيت لتدوم، وثمة دول بُنِيت لتُدار. لبنان، في جوهره، ينتمي إلى فصيل ما بين بين. حين أقفل الانتداب الفرنسي ستاره على بلاد الشام مطلع عشرينات القرن العشرين، لم تكن باريس تُفكّر في إرساء كيان سياسي متماسك بقدر ما كانت تُفكّر في موازنة معادلة. فالجمهورية الثالثة، تلك الجمهورية التي عرَّفت نفسها في مواجهة الكنيسة وبنت علمانيّتها على جمر العداء للمؤسسة الدينية، وجدت نفسها أمام مفارقة أن تُنشئ في المشرق كياناً يقوم في جوهره على تقاسم نفوذ الطوائف. لم يكن في الأمر تناقض بالنسبة إليها، بل كانت طريقة في إدارة ما لا يمكن إلغاؤه. المشكلة أنّ ما لا يمكن إلغاؤه، كان يجب تجاوزه، لا توظيفه.

    وُلد لبنان الكبير سنة 1920 كتسوية، لا كمشروع. لم ينبثق من رحم نضال وطني داخلي يُوحِّد المكوِّنات حول رؤية مشتركة، ولم يقم على عقد اجتماعي حقيقي يُعرِّف المواطن بوصفه فرداً في دولة، بل بوصفه عضواً في طائفة تتفاوض مع طوائف أخرى على حصة في السلطة. بدلاً من أن يكون النظام السياسي وعاءً يذوب فيه الانتماء الأهلي تدريجياً لمصلحة هوية وطنية جامعة، غدا النظام نفسه مضخّةً تُعيد إنتاج الانتماءات الطائفية وتُضفي عليها شرعية مؤسسية. هذا هو عيب التأسيس بامتياز. لم تُبنَ الدولة فوق المجتمع لتُنظّمه، بل بُنِيت داخله لتعكسه. والفارق جوهري.

    حين تُدمج الدولة البنى التقليدية في هياكلها بدلاً من أن تُحوِّلها، فإنّها تُسلّم سيادتها لتلك البنى. لم تُضعَف العصبية العائلية بمرور الوقت، بل اكتسبت مشروعية إضافية حين أصبحت بوابة الدولة. لم يتراجع الولاء المذهبي أمام منطق المواطنة، بل طغى عليه حين تحوّل إلى أداة توزيع للثروة والمناصب والنفوذ. هكذا، بدلاً من أن تصنع الدولة مواطنيها، صنع المواطنون دولتهم على صورتهم، لكن على الصورة الأكثر انقساماً فيهم.

    النتيجة ليست مجرّد ضعف مؤسسي قابل للإصلاح التقني. هي كيان يحمل في بُنيته التأسيسية بذور أزمته. كل استحقاق إقليمي كبير، كل موجة من موجات التحوُّلات الديموغرافية أو الأيديولوجية، كل زلزال في المنطقة، كانت تجد في لبنان أرضاً خصبة، لأنّها تجد فيه نظاماً مُصمَّماً للتوازن لا للصمود. والتوازن بطبيعته هش. يكفي أن يتغيَّر وزن طرف واحد حتى تنهار المنظومة بأسرها.

    الإشكالية اليوم أعمق من إدارة أزمات متكرّرة. سؤال وجودي لا يزال مُحجَّباً خلف لغة الإصلاح والتوافق والحوار. هل يمكن ترميم صيغة التأسيس، أم أنّ مجرّد الترميم هو إطالة للأزمة بوسائل أخرى؟

    مَن يجادل بإمكان الإصلاح يقول بالضرورة إنّ النظام الطائفي قابل للتطوير من الداخل، وإنّ اللامركزية الموسّعة أو قانوناً انتخابياً جديداً أو اتفاقاً سياسياً منقّحاً يمكنه أن يُعيد برمجة المعادلة. ومَن يجادل بضرورة صيغة جديدة يقول إنّ الإطار القائم استنفد إمكاناته، وإنّ بناء دولة مواطنين حقيقية يستلزم قطيعة معرفية وسياسية مع منطق التأسيس ذاته.

    لا إجابة مريحة وقاطعة في الحالَين. الأولى تتطلّب إرادة نُخَب مستفيدة بامتياز من الوضع الراهن. والثانية تتطلّب تحوُّلاً ثقافياً جيلياً، وربما جينيّاً، لا تُنجزه الأطر الدستورية وحدها.

    لم يُبنَ لبنان على قاعدة خاطئة بالمعنى الأخلاقي، بل على قاعدة قاصرة بالمعنى التاريخي. لم يكن الخطأ في الاعتراف بالتنوُّع، بل في تحويل التنوُّع من واقع يجب احتواؤه إلى هندسة يجب إدامتها. وبين الاحتواء والإدامة مسافة شاسعة. الأول يُفضي إلى الاندماج التدريجي، والثاني يُفضي إلى التكلّس الدائم.

    لبنان ليس الوحيد في التاريخ الحديث الذي وُلد حاملاً في بُنيته جينات أزمته. ثمة دول أخرى واجهت الإشكالية ذاتها: كيان سياسي بُنِيَ على توازنات هشة بين جماعات متباينة الهوية والمصالح، ووجد نفسه أمام خيار حاد بين إعادة اختراع نفسه أو الانزلاق نحو الانهيار. ثلاث تجارب عالمية تستحق التأمُّل، لا لاستنساخها، بل لاستخلاص ما فيها من منطق.

    1- البوسنة والهرسك هي الأقرب إلى لبنان في الصورة وإن بَعُدت في التفاصيل. بعد حرب مدمِّرة في التسعينات مزّقت نسيج مجتمع متعدِّد الإثنيات، جاء اتفاق دايتون سنة 1995 ليُنهي الحرب لكن ليس الأزمة. أسّس الاتفاق دولة فدرالية مقسّمة بين كيانَين وثلاث طوائف رئيسية، ووزَّع السلطة توزيعاً مضبوطاً على الورق. النتيجة؟ استقرار هش يشبه الهدنة أكثر ممّا يشبه السلام. الدولة لا تنهار، لكنّها أيضاً لا تسير. كل قرار يستلزم توافقاً ثلاثياً، وكل مؤسسة تحمل في داخلها انقسامها. أنقذ دايتون البوسنة من الحرب، لكنّه حوَّلها متحفاً للتسوية، كياناً يُدار لا يُحكَم.

    الدرس اللبناني المستخلص: الضمانات الدولية للتوازن الطائفي تُجمِّد الأزمة ولا تحلّها، وما يبدو علاجاً مرحلياً يتحوَّل بمرور الوقت قيداً بُنيوياً. يعرف لبنان هذه المعادلة جيداً، فاتفاق الطائف كان دايتونه الخاص.

    2- بلجيكا تُقدِّم صورة مختلفة ومفاجئة. دولة أُسِّست سنة 1830 على توازن هش بين مجموعتَين لغويّتَين - ثقافيّتَين، الفلامان والوالون، وظلّت طوال تاريخها تتأرجح على حافة الانقسام. أصبحت أزماتها السياسية مضرب مثل عالمياً. عجزت في أحد فصولها عن تشكيل حكومة لما تجاوز الـ 540 يوماً. غير أنّ بلجيكا لم تنهر. ما الذي حدث؟ أجرت إصلاحاً دستورياً عميقاً على مراحل، حوَّلت الدولة الموحَّدة إلى دولة فدرالية حقيقية، تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة، وفصلت إدارة الشأن العام عن الهوية الثقافية بقدر كافٍ، يجعل التعايش ممكناً من دون أن يُلغي التمايز.

    الدرس اللبناني المُستمدّ: اللامركزية الحقيقية، لا الشكلية، قد تكون مخرجاً للدول التي تستحيل فيها الوحدة المركزية لكن يستحيل فيها أيضاً الانفصال. لبنان الذي يتحدّث عن اللامركزية منذ عقود من دون أن يطبّقها يجد في بلجيكا مرآة مزعجة. الإصلاح ممكن، لكنّه يتطلّب إرادة نُخَب مستعدة لأن تتنازل عن جزء من مركزية سلطتها.

    3- جنوب إفريقيا هي التجربة الأكثر جرأة والأصعب تكراراً. بنى نظام الأبارتايد دولة على هوية إقصائية صريحة، ووزَّع الحقوق والموارد والفرص وفق الانتماء العرقي. حين انهار النظام مطلع التسعينات، كان الخيار الأيسر هو الانتقام أو الإفلات المتبادل من المساءلة. اختار نيلسون مانديلا مساراً ثالثاً: لجنة الحقيقة والمصالحة، دستور يضع المواطنة فوق الهوية، وعقد اجتماعي جديد يُعرِّف الجنوب إفريقي بوصفه مواطناً لا بوصفه عِرْقاً. لم تكن التجربة مثالية، ولا تزال الفجوات الاقتصادية عميقة، لكنّ الانتقال السياسي نفسه يظل نموذجاً استثنائياً.

    الدرس اللبناني المُستنبط: إعادة تعريف العقد الاجتماعي ممكنة، لكنّها تستلزم قيادة تضع المشروع الوطني فوق المصالح الطائفية، وهذا بالضبط ما يفتقده لبنان منذ الاستقلال.

    في استقراء هذه التجارب الثلاث معاً، يظهر خيط جامع. الدول التي نجحت في تجاوز عيوب تأسيسها لم تفعل ذلك بالتمسك بصيغة التوازن القديمة ولا بالقفز إلى المجهول، بل بإعادة تعريف ما الذي يجمع مواطنيها. البوسنة التي اختارت تكريس التوازن بقيت رهينته. بلجيكا التي أعادت هيكلة علاقة مكوّناتها بالدولة وجدت استقراراً نسبياً. وجنوب إفريقيا التي جرؤت على القطيعة مع منطق التأسيس، فتحت أفقاً جديداً.

    لبنان اليوم أمام الخيارات الثلاثة مجتمعة: يمكنه أن يبقى بوسنة المتوسط، كياناً مُدَاراً بضمانات خارجية وتوازنات داخلية هشة. ويمكنه أن يسلك المسار البلجيكي، إصلاح بُنيوي تدريجي يُعيد توزيع السلطة من دون أن يُلغي التمايز. أو يمكنه، في لحظة استثنائية، أن يجرؤ على السؤال الجنوب إفريقي الكبير: مَن نحن معاً، بعيداً عمّن نحن كلٌّ على حدة؟

    التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنّه يُقدّم خياراته. والمأساة الحقيقية ليست أنّ لبنان لا يعرف الخيارات المتاحة، بل إنّه يعرفها ولا يختار.

    العقدة ليست متى تنتهي أزمة لبنان، بل متى يجرؤ اللبنانيون على طرح السؤال الذي لم يُطرح يوماً بصدق كافٍ: ما الدولة التي يريدون فعلاً؟ دولة طوائف تتعايش، أم دولة مواطنين تتجاوز؟

    قرن كامل مضى على التأسيس (في مئوية الدستور الأول، 23 أيار 1926). وما زال السؤال معلّقاً.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology