-
منذ الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لخمسة وأربعين يومًا إضافيًا، بدا واضحًا أن المنطقة لا تدخل فعلًا مرحلة «ما بعد الحرب»، بل انتقلت إلى مستوى آخر من إدارتها. فالميدان لم يهدأ جنوبًا، والغارات لم تتوقف في الجنوب والبقاع، فيما بقيت الاغتيالات في العاصمة ممكنة وكأن ما يجري ليس وقفًا لإطلاق النار بقدر ما هو إعادة تعريف له.
واضح أن الأطراف المختلفة لا تقرأ معنى «التهدئة» بالطريقة نفسها. بالنسبة إلى إسرائيل، فالمطلوب تعطيل قدرة حزب الله على المبادرة والرد، وليس وقف العمليات الإسرائيلية نفسها. أما واشنطن، فتبدو معنيّة قبل أي شيء بمنع توسع الحرب نحو انهيار شامل يهدد بيروت الكبرى، أو يفتح الباب أمام فوضى إقليمية أوسع. فيما تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تفاوض على السيادة فيما الحرب والاحتلال وإطلاق النار ما تزال مستمرة عمليًا فوق أراضيها وكيف تطالب بوقف الاعتداءات فيما ميزان القوى مختل إلى هذا الحد؟
لكن خلف المشهد العسكري اليومي، ثمة ما هو أكثر أهمية وربما أكثر خطورة: التحول التدريجي في طبيعة المقاربة الأميركية – الإسرائيلية للحرب نفسها. فبعد أشهر طويلة من المواجهة، يبدو أن إسرائيل بدأت تقتنع بأن القضاء الكامل على حزب الله بالقوة العسكرية المباشرة ليس هدفًا واقعيًا، أو على الأقل ليس ممكنًا بكلفة مقبولة. ومن هنا يبدأ الانتقال من منطق الردع والاحتواء إلى منطق إعادة التشكيل.
من الحرب العسكرية إلى إعادة تشكيل البيئة
هذا التحول لا يخص لبنان وحده. فبعد سنوات من الحروب المفتوحة في المنطقة، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل أمام قناعة متزايدة بأن بعض القوى لا يمكن إنهاؤها بالكامل بالقوة العسكرية المباشرة. ففي غزة، لم يتحقق الحسم الكامل رغم حجم الدمار الهائل. وفي إيران، تبدو فكرة إسقاط النظام أو إخضاعه عسكريًا شبه مستحيلة من دون حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن السيطرة على نتائجها. وفي لبنان، بات واضحًا أن تفكيك حزب الله بالقوة العسكرية وحدها هدف عالي الكلفة وربما غير قابل للتحقق أصلًا.
وهنا يبدأ التحول الأخطر: من محاولة هزيمة الخصم إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها عبر استنزاف تدريجي، وعزل البيئة الحاضنة، وتحويل عبء المواجهة إلى الداخل نفسه، وصولًا إلى احتواء طويل الأمد يقود إلى تفكيك استراتيجي. وهكذا، لا يعود المطلوب فقط منع الخصم من امتلاك القدرة العسكرية، بل إعادة صياغة المجال الذي يتحرك فيه أصلًا، سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وعمرانيًا.
في هذا السياق، يصبح الدمار نفسه جزءًا من الاستراتيجية، لا مجرد نتيجة جانبية لها. وهذا ما دفع باحثين إسرائيليين وغربيين إلى الحديث عن تحوّل أعمق في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فلم يعد الهدف مقتصرًا على ردع الخصم أو تقليص قدراته العسكرية، بل بات يشمل إعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها أصلًا. ما يجعل التدمير الواسع للبنية التحتية، وتحويل مناطق كاملة إلى مساحات شبه غير قابلة للحياة، وخلق مناطق عازلة، وإبطاء إعادة الإعمار، تكون كجزء من تصور أمني جديد يقوم على منع الخصم من استعادة شروط التعافي الاجتماعي والعسكري معًا. وبهذا المعنى، لم يعد الركام نتيجة للحرب فقط، بل أصبح جزءًا من هندسة اليوم التالي لها.
«الركام» كعقيدة أمنية
في مقاله المنشور في كارنيغي Carnegie Endowment for International Peace بعنوان «الركام ليس نتيجة جانبية… بل عقيدة إسرائيلية»، يجادل الباحث الأميركي ناثان براون Nathan J. Brown، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وفلسطين، بأن ما يحدث في غزة ولبنان لم يعد مجرد «أضرار جانبية» للحرب، بل تحول إلى جزء من العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. وتشدد الفكرة المركزية في المقال، على أن إسرائيل لم تعد تسعى فقط إلى ردع خصومها أو هزيمتهم عسكريًا، بل إلى إعادة تشكيل البيئة التي يعيشون فيها، إذ يصبح من الصعب إعادة بناء قدراتهم أو مجتمعاتهم. ولهذا، إن التدمير الواسع للبنية التحتية، وخلق مناطق عازلة، ومنع العودة، وتحويل المدن والقرى إلى ركام، لم تعد تُقدَّم كأثر جانبي للحرب، بل كجزء من «مفهوم أمني» متكامل.
ويشير المقال إلى أن هذا المنطق بدأ بوضوح في غزة، ثم امتد إلى أجزاء من الضفة الغربية ولبنان وحتى، بطريقة مختلفة، إلى المواجهة مع إيران. ويربط الكاتب ذلك بما يُعرف تاريخيًا بـ«عقيدة الضاحية»، أي استخدام القوة التدميرية الهائلة ضد البيئات الحاضنة للخصم بهدف خلق ردع طويل الأمد عبر الكلفة البشرية والعمرانية الهائلة.
كما ينتقد المقال مقولة إن إسرائيل «لا تملك خطة لليوم التالي»، معتبرًا أن هذا التشخيص كان مضللًا منذ البداية، لأن «الركام نفسه» أصبح الخطة. أي إن غياب إعادة الإعمار، واستمرار السيطرة الأمنية، ومنع إعادة تكوين الخصم، ليست فراغًا سياسيًا، بل جزء من الاستراتيجية.
حزب الله مطالب اليوم بتقديم رؤية سياسية للخروج من المأزق اللبناني، والمعضلة أنه، مثل خصومه، يتعامل مع الأزمة بوصفها أزمة إدارة صراع لا أزمة بناء دولة
تجربة الضفة: من الانتفاضة إلى «الفلسطيني الجديد»
هنا تحديدًا، تعود إلى الواجهة التجربة الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية. فبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، ثم حصار الرئيس الراحل ياسر عرفات ووفاته عام 2004، تشكلت قناعة في واشنطن وتل أبيب، بأن المواجهة لا يمكن أن تبقى عسكرية فقط. حيث لم تعد المسألة مرتبطة بمجموعات مسلحة فحسب، بل ببيئة كاملة ما تزال ترى في المقاومة خيارًا مشروعًا. ومن هنا بدأ العمل على إعادة هندسة السلطة الفلسطينية أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا.
تولى الجنرال الأميركي كايت دايتون Keith Dayton الإشراف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وصياغة عقيدة أمنية جديدة تعتبر أن أولوية السلطة هي «الاستقرار» ومنع الفوضى والسلاح الخارج عن إطارها. بالتوازي، جرى الدفع نحو نموذج اقتصادي مختلف قائم على القروض والاستهلاك والارتباط بالمساعدات الخارجية، في مسار لعب فيه طوني بلير دورًا أساسيًا عبر ما سُمّي يومها «السلام الاقتصادي». ولم يكن الهدف المعلن إنهاء القضية الفلسطينية، بل إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني بطريقة تجعل كلفة المقاومة أعلى من كلفة التكيّف مع الواقع القائم. وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في المنطقة خلال العقدين الأخيرين: الانتقال من الحرب على التنظيمات المسلحة إلى إعادة صياغة المجتمعات نفسها، سياسيًا، وأمنيًا، واقتصاديًا، ونفسيًا.
لبنان ليس الضفة… لكن
اليوم، يخشى كثيرون في لبنان من محاولة استنساخ مقاربة مشابهة، ولو بصيغ مختلفة. ليس بالضرورة عبر نسخة حرفية من «خطة دايتون»، بل عبر بناء مسار أمني – سياسي – اقتصادي متكامل يقوم على عدة عناصر متوازية:
- استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي على بيئة الحزب وبنيته،
- تعزيز دور الدولة والأجهزة الأمنية ضمن مفهوم «حصرية السلاح»،
- فتح قنوات تنسيق أمني مع إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة تحت عناوين مختلفة،
- تشديد الخناق المالي والاقتصادي على الحزب وبيئته الاجتماعية.
لكن هذا المسار، لا يقتصر على الأدوات العسكرية والأمنية فقط، بل يمتد أيضًا إلى استخدام الضغوط السياسية والمالية والعقوبات كجزء من عملية إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية. فالعقوبات الأميركية التي طالت في مراحل مختلفة شخصيات قريبة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وصولًا إلى العقوبات الأخيرة التي شملت ضابطين في الجيش اللبناني والأمن العام، فضلًا عن شخصيات قريبة من الرئاسة الثانية وأعضاء في حزب الله، تعكس بوضوح كيف تُستخدم أدوات الضغط المالي والسياسي بالتوازي مع الحرب الميدانية، في محاولة لدفع الدولة ومؤسساتها نحو تموضع أمني وسياسي أكثر انسجامًا مع المقاربة الأميركية – الإسرائيلية للصراع.
لكن المقارنة مع الضفة تصطدم بفارق جوهري، كون الضفة الغربية تقع تحت احتلال مباشر وتملك سلطة أكثر مركزية نسبيًا، فيما لبنان قائم أصلًا على توازنات طائفية وسياسية شديدة الهشاشة. كما أن حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح خارج الدولة، بل هو جزء من بنية اجتماعية وسياسية وتمثيلية واسعة، ومن توازن إقليمي أكبر من الساحة اللبنانية نفسها. هذا عدا عن أن الجيش اللبناني، بخلاف التجربة الفلسطينية، ليس جهازًا أمنيًا عقائديًا يمكن إعادة تشكيله بسهولة وفق رؤية أحادية صافية، فضلًا عن أن أي محاولة لفرض مسار أمني داخلي بالقوة قد تهدد البنية اللبنانية نفسها قبل أن تحقق أهدافها.
السلاح كمسألة وجودية
ثمة عنصر آخر بالغ الأهمية غالبًا ما يُتجاهل في النقاش اللبناني الحالي. إذ إن النقاش حول سلاح حزب الله بعد هذه الحرب لم يعد يشبه النقاش القديم. فالحرب الأخيرة حملت معها حديثًا علنيًا عن تهجير، وتفريغ قرى، وإقامة مناطق عازلة، واستهداف بيئة اجتماعية كاملة لا مجرد بنية عسكرية. وهذا ما جعل جزءًا كبيرًا من البيئة الشيعية ينظر إلى السلاح بوصفه قضية وجودية، لا مجرد أداة سياسية أو عسكرية قابلة للنقاش التقني البسيط.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة أي مقاربة تختزل المسألة في بعدها الأمني فقط. لأن أي مشروع لنزع السلاح أو احتوائه من دون معالجة المخاوف الوجودية والسياسية العميقة داخل هذه البيئة، قد يتحول إلى وصفة لانفجار داخلي لا لبناء دولة. وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الحالي بلا أفق سياسي واضح، وبلا نقاش جدي حول مستقبل الدولة والسيادة والسلاح، يحمل أخطارًا لا تقل جسامة.
سؤال الدولة… ومسؤولية الحزب
لا يبدو أن المنطقة تتجه كلها نحو تسويات تاريخية فعلية، بل نحو نمط جديد من إدارة الصراعات.
فوقف إطلاق النار حيثما كان لم يعد يعني إنهاء الحرب، بل تنظيمها. والتهدئة لم تعد تعني الحل، بل منع توسع النيران. كما أن المفاوضات لم تعد طريقًا واضحًا إلى السلام، بل جزءًا من إدارة التوازنات.
بهذا المعنى، قد يكون لبنان أمام مرحلة طويلة من «الحرب المنخفضة الوتيرة»، بأشكال متعددة يستمر خلالها الضغط العسكري والأمني والاقتصادي، من دون حرب شاملة ومن دون تسوية حقيقية في الوقت نفسه. لان الخطر الحقيقي لم يعد فقط في استمرار العمليات العسكرية، بل في تحوّل الحرب نفسها إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان والاقتصاد والقدرة على الحياة داخل البيئات المستهدفة. وهنا تصبح المعضلة اللبنانية أعمق بكثير من مجرد النقاش حول السلاح، لأنها تمس مستقبل الدولة والمجتمع معًا.
وإذا الحسم العسكري الكامل لا يبدو ممكنًا، واستنساخ تجربة الضفة الغربية في لبنان غير مضمون النجاح، فذلك لا يلغي حقيقة أن البلاد تقف أمام مفترق بالغ الخطورة. لأن لبنان لا يستطيع العيش إلى ما لا نهاية بين حرب معلّقة ودولة معلّقة وسيادة معلّقة. كما أن الاكتفاء بمنطق «إدارة الأزمة» بدل البحث عن عقد داخلي جديد سيعني عمليًا ترك البلد رهينة استنزاف مفتوح.
صحيح أن جزءًا واسعًا من البيئة الشيعية بات ينظر إلى السلاح بوصفه ضمانة وجودية بعد هذه الحرب، وصحيح أيضًا أن المقاربات الخارجية القائمة على الضغط والتفكيك والإذلال لا يمكن أن تنتج استقرارًا حقيقيًا في بلد كلبنان، ولكن ذلك لا يعفي حزب الله نفسه من مسؤولية أساسية باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى.
فالحزب الذي نجح لعقود في بناء قوة عسكرية وإقليمية مؤثرة، يعرف أن الكل يطالبه اليوم بتقديم رؤية سياسية للخروج من المأزق اللبناني، لا أن يكتفي بإدارة التوازنات العسكرية أو انتظار تبدلات الإقليم. فاستمرار الوضع الحالي يعني عمليًا استمرار استنزاف بيئته أولًا، وتعريض مناطق واسعة من لبنان لحرب مفتوحة أو شبه مفتوحة لا أفق واضحًا لنهايتها.
ولعل المعضلة الأعمق أن الحزب - كما خصومه - ما زال يتعامل مع الأزمة بوصفها أزمة إدارة صراع لا أزمة بناء دولة. فيما يحتاج لبنان، أكثر من أي وقت مضى، إلى مقاربة مختلفة تعترف بمخاوف الجميع، لكنها تبحث أيضًا عن صيغة تُخرج السلاح من كونه عنصر انقسام داخلي دائم، وتحوله إلى جزء من رؤية وطنية أوسع تحمي لبنان بدل أن تتركه ساحة مفتوحة للاستنزاف. فلا يكفي أن يكون الحزب قوة مقاومة فعالة عسكريًا، بل بات مطلوبًا منه أن يكون شريكًا أساسيًا في إنتاج مخرج تاريخي يمنع انهيار الدولة ويحمي بيئته واللبنانيين عمومًا من حرب دائمة لا تنتهي.
-