قانون العفو العام في لبنان: بين التسوية السياسية والطعنة في خاصرة من قدّم حياته للوطن (جومانا ناهض)

  • 21 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • جومانا ناهض-

    في ظلّ الجدل المتصاعد الذي أعقب إصدار قانون العفو العام في لبنان مؤخرًا، عاد النقاش ليطفو بقوّة حول حدود هذا العفو ومعاييره، وما إذا كان يشكّل بالفعل خطوة نحو المصالحة الوطنية، أم أنه يفتح الباب أمام إشكاليات تمسّ جوهر العدالة وهيبة الدولة وتضحيات المؤسسة العسكرية.
    في بلد مثقل بالأزمات السياسية والاقتصادية، غالبًا ما يُقدَّم العفو العام كحلّ لتخفيف الاحتقان الاجتماعي ومعالجة الاكتظاظ في السجون. غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ العفو بحد ذاته، بل في طبيعته الشاملة، التي قد تضع في كفّة واحدة المخالفات البسيطة مع الجرائم التي تمس الأمن الوطني مباشرة.
    عفو شامل أم عدالة مقنّعة؟
    لقد أثار القانون بالصيغة التي أُطلقت مؤخرا علامات استفهام جديّة حول مدى مراعاته لمبدأ التدرّج في الجرم والعقاب. فالعفو العام، الذي يفترض أن يكون إجراءً استثنائيا ومدروسا، لا يمكن أن يتحوّل إلى آلية شاملة تساوي بين من ارتكب جنحة عادية، وبين من تورّط في أعمال مسلّحة أو اعتداء مباشر على مؤسسات الدولة.
    هذا الخلط يزعزع ثقة المواطنين بالقضاء ويُضعف الإحساس العام بالعدالة، خصوصًا لدى الفئات التي ترى في هذا العفو تجاهلًا لحقوق الضحايا.
    *الاعتداء على الجيش: نقطة الخلاف الأبرز
    من بين أكثر النقاط إثارة للجدل، مسألة شمول بعض المتهمين أو المدانين بالاعتداء على الجيش اللبناني، لا سيما في معارك الجرود ضد التنظيمات المتطرفة، وأحداث عبرا التي شكّلت واحدة من المحطات الأكثر دموية في تاريخ المؤسسة العسكرية.
    إدراج هذه الفئة ضمن قانون العفو يثير تساؤلات عميقة حول الرسالة التي تبعث بها الدولة لمؤسستها العسكرية، ولعائلات العسكريين الذين سقطوا خلال تلك المواجهات. فبالنسبة لكثيرين، لا يمكن اعتبار هذه الجرائم ضمن خانة "الأخطاء القابلة للتسامح"، بل هي اعتداء مباشر على سيادة الدولة وكيانها.
    *الجيش اللبناني خطّ لا يحتمل التأويل:
    لطالما شكّل الجيش اللبناني ركيزة أساسية في الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها كما الحفاظ على أمنها وظلّ، رغم الانقسامات السياسية، المؤسسة التي تحظى بثقة واسعة في الداخل ومحبّة خاصة متجذرة في النفوس لتلك البذلة المرقطة. لقد خاض الجيش مواجهات مكلفة في سبيل حماية لبنان من الإرهاب والفوضى وسقط كثيرون منهم على مذبح الوطن.
    من هنا، فإن أي خطوة تُفسَّر على أنها تساهل مع من اعتدى على الجيش، قد تُعدّ انتقاصًا من تضحياته، وتثير مخاوف من انعكاس ذلك على معنويات المؤسسة العسكرية وعلى الحالة النفسية لأهل الضحايا.
    *بين البعد الإنساني ومتطلبات الأمن:
    لا يمكن إنكار الحاجة الملحة لمعالجة ملف السجون في لبنان، في ظل الاكتظاظ الكبير والظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها السجناء. كما أن هناك ملفات عديدة، خاصة في الجرائم البسيطة تستحق معالجة قانونية سريعة وعادلة، وقد يكون العفو أحد أدواتها.
    غير أن هذه المعالجة يجب أن تقوم على معايير واضحة وانتقائية، تستثني الجرائم الخطيرة، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بالإرهاب والاعتداء على القوى الأمنية والجيش، حفاظًا على التوازن بين البعد الإنساني ومتطلبات الأمن الوطني.
    وفي مقاربة أكثر توازنًا، يبدو أن النقاش الدائر اليوم يتجاوز مجرد قانون عفو إلى مسألة أعمق تتعلق بكيفية إدارة العدالة في لبنان. فالعفو لا يمكن أن يكون بديلًا عن المحاسبة، بل يجب أن يأتي ضمن إطار متكامل يراعي حقوق الضحايا، ويضمن عدم تكرار الجرائم.
    كما أن إشراك الرأي العام، وأسر الشهداء، والمؤسسات الأمنية في النقاش حول مثل هذه القوانين، قد يساهم في إنتاج تشريعات أكثر توازنًا وعدالة، ويحدّ من الانقسامات التي يثيرها العفو بصيغته الحالية.
    في النهاية، يبقى قانون العفو العام خطوة حساسة في السياق اللبناني، يمكن أن تفتح بابًا نحو التهدئة والمصالحة، أو أن تتحول إلى مصدر جديد للانقسام والجدل. وبين هذا وذاك، تبقى المعادلة الأصعب هي تحقيق التوازن بين الرحمة والعدالة، من دون المساس بثوابت الدولة، وفي مقدمتها حماية الجيش وصون تضحياته.
    وتبقى صرخة أهالي شهداء الحيش الصلاة الأعمق والأصدق نصرة للشهداء الأبرار.
  • Just in

Just in

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology