بين تهمة التبدّل وثبات الرؤية: لماذا يبدو جبران باسيل الأكثر وضوحاً؟ - رندا شمعون

  • 21 May 2026
  • 49 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    في الحياة السياسية اللبنانية، قلّة من الشخصيات وُجّهت إليها تهمة «الالتباس» أو «التبدّل» كما وُجّهت إلى جبران باسيل. فالخصوم يتّهمونه بالتقلُّب في تموضعه، وبعض من افترقوا عنه سياسياً يصوّرون مواقفه كأنها انتقال دائم بين الخيارات.
    لكن بعيداً من الانطباعات المسبقة، كل اطلالات باسيل ، و آخرها المقابلة التي أجراها عبر قناة الميادين مع الإعلامي روني ألفا ، تكشف عن خطاب سياسي شديد الوضوح، وإن كان معقداً، لأن الأزمة اللبنانية نفسها معقدة.
    فالمشكلة ليست التباس موقف باسيل، بل في أنّه يرفض التموضع داخل الثنائيات السهلة التي اعتادها اللبنانيون: إما مع "حزب الله" بالكامل أو ضده بالكامل، إما مع السلاح أو مع نزعه بالقوة، إما في محور إقليمي أو في محور مقابل؟
    باسيل يحاول الإمساك بمعادلة مختلفة ، دولة لا تُلغِي المقاومة، ومقاومة لا تُلغِي الدولة، وسيادة لا تتحول إلى حرب أهلية، وشراكة لا تصبح غطاءً للأمر الواقع.
    فما يُحسب لباسيل سياسياً ، موقف عالي الكلفة لا شعبوي.
    أكثر ما يلفت في خطاب باسيل أنه لا يذهب إلى المنطقة السهلة سياسياً.
    ففي لبنان، الأسهل شعبوياً أن يصطف السياسي بالكامل في أحد المعسكرين: إما تبرير خيارات "حزب الله" مهما كانت كلفتها، أو رفع شعار حصرية السلاح بخطاب تصعيدي من دون تقديم تصور واقعي لكيفية حماية لبنان أو تجنّب الانفجار الداخلي.
    أما باسيل، فاختار موقعاً أكثر صعوبة وكلفة.
    قال بوضوح إن "حزب الله" لا يملك حق جرّ لبنان إلى حرب بقرار أحادي، وإن الركيزة الدفاعية التي قامت عليها التفاهمات السابقة لم تعد قائمة عندما خرج القرار العسكري من أي توافق وطني. لكنه، في الوقت نفسه، رفض خطاب الكسر والإلغاء، ورفض الاستثمار السياسي في لحظة ضعف الحزب، كما رفض منطق نزع السلاح بالقوة، معتبراً أن ذلك لن يؤدي إلا إلى حرب داخلية أو تدمير إضافي للبنان.
    وهنا تحديداً تكمن نقطة التمايز في خطابه ، فهو لم يساير جمهور المقاومة، ولم يساير خصومها أيضاً، بل قال الحقيقة التي لا يرغب أي من الطرفين غالباً في سماعها.

    «قلبنا معكم… وعقلنا مع لبنان»: عبارة عاطفية أم مقاربة سياسية؟
    عندما قال باسيل مخاطباً بيئة المقاومة: «قلبنا معكم ومع كل شهيد وكل بيت يُدمَّر، لكن عقلنا مع لبنان»، لم يكن يقدّم عبارة وجدانية فقط، بل يختصر مقاربة سياسية كاملة.
    فهو يُجّل الألم والخسائر والتضحيات، ويرفض التعامل مع بيئة المقاومة كخصم داخلي أو كفئة يجب عزلها، لكنه في الوقت نفسه يفصل بين التعاطف الإنساني وبين القرار السياسي.
    أي أن التضامن مع الناس لا يعني تعليق النقاش حول الدولة، والسلاح، وقرار الحرب.
    هذه النقطة أساسية لفهم خطابه ، باسيل لا يدعو إلى مواجهة مع "حزب الله"، لكنه يرفض أيضاً أن يبقى لبنان رهينة قرار لا يصدر عن مؤسساته.

    هل تبدّل موقف باسيل فعلاً؟
    التهمة الأكثر تداولاً هي أن باسيل «غيّر موقفه» من "حزب الله". لكن مراجعة خطابه السياسي خلال السنوات الماضية، وما قاله بوضوح في مقابلة الميادين، تُظهر أن الثابت لديه بقي نفسه، حتى لو تبدلت الظروف.
    فالحديث عن «لبننة» خيارات "حزب الله"، وعن أولوية الدولة، وعن الاستراتيجية الدفاعية، وعن الشراكة الوطنية، وعن رفض إلغاء أي مكوّن لبناني، ليس جديداً في خطاب التيار الوطني الحر، بل يشكل جزءاً من منطقه السياسي منذ سنوات.
    المتغيّر هنا ليس الفكرة بل الواقع.
    فحين دعم باسيل تفاهمه مع "حزب الله"، كان ذلك على قاعدة إدخاله في مشروع الدولة وتعزيز الشراكة الوطنية. واليوم، حين يقول إن التفاهم لم يعد يحقق النتيجة المطلوبة، فهو لا ينقلب على فلسفته السياسية، بل يعيد تقييم نجاح الأداة في تحقيق الهدف.
    في السياسة، الثبات لا يعني الجمود، بل وضوح الوجهة. أما التحالفات والتموضعات فتبقى مرتبطة بمدى خدمتها للمصلحة الوطنية كما يراها صاحب القرار السياسي.

    تكشف المقابلة على قناة الميادين مجددا ، عنصر التمايز في خطاب باسيل ، أنه يكاد يكون من القلائل الذين يوجّهون نقداً للطرفين معاً.
    فجزء من الخطاب السيادي يرفع شعار حصرية السلاح لكنه لا يجيب عملياً عن سؤال: كيف يُحمى لبنان؟ وما الكلفة؟ وكيف يُمنع الانفجار الداخلي؟
    وفي المقابل، يتمسك خطاب آخر بشرعية السلاح كما هي، من دون مراجعة أثر التحولات التي شهدتها المنطقة، أو كلفة القرار الأحادي، أو الحاجة إلى بيئة وطنية حاضنة لا تقتصر على بيئة طائفية.
    أما السلطة، فبدت في توصيف باسيل أقرب إلى إدارة الأزمة لا معالجتها، وإلى شراء الوقت بدل إنتاج رؤية لبنانية للحماية والتفاوض.
    وسط هذا كله، يطرح باسيل فكرة مختلفة ، استراتيجية أمن قومي لبنانية تُدرج عناصر القوة داخل مشروع الدولة بدل إبقائها خارجه، وتنتقل بالنقاش من سؤال «من يغلب من؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: «كيف يبقى لبنان؟».

    قد يختلف كثيرون مع جبران باسيل، لكن يصعب إنكار أن ما قدّمه على قناة الميادين ، خطاباً يؤكد ثباتاً على مقاربة سياسية متماسكة تحاول الإمساك بتناقضات لبنان بدل الهروب منها.
    خطاباً يرفض الأبيض والأسود معاً، ويحاول بناء معادلة أصعب: دولة قوية، شراكة وطنية، وحماية للبنان لا تقوم لا على الغلبة ولا على الإنكار.

    _