-
غادة حلاوي -
بعد رفض إسرائيل الالتزام بتثبيت الهدنة مع لبنان ووقف اطلاق النار الكامل، وإبلاغ الولايات المتحدة تعذّر الضغط عليها، أُصيب لبنان بخيبة أمل. جولة المفاوضات الثالثة التي ترأسها السفير السابق سيمون كرم لم تكن سهلة. شعرت إسرائيل بأن المسار السياسي متعذّر، فانتقلت إلى المسار الأمني. هنا شعر لبنان بالخيبة، وانتقل المسار من مفاوضات على وقف إطلاق النار إلى التفاوض على خفض التصعيد، على قاعدة أن المفاوضات قد تعطي الحد الأدنى من النتائج، لكن الأمور لم تسر وفق المرجو.
المواكبون لملف التفاوض يؤكدون أن الدولة عادت إلى بداية المسار بلا إنجازات، وهي في حرج؛ فلا يمكنها أن تنسحب، بينما قد يقود المسار الأمني إلى تشكيل اللجنة الأمنية التي تطمح إليها إسرائيل. ولغاية اليوم، لم تتبلور صورة المشاركة في مثل هذه اللجنة. كما أن تعذّر المراسلات بالواسطة يؤخر التفاهم، وإن كان التواصل ناشطاً على خط المستشارين بين بعبدا وعين التينة، وبين عين التينة وحزب الله.
تواجه الدولة معضلة تشكيل اللجنة الأمنية التي ستشارك في اجتماع البنتاغون في 29 الجاري. أما التحضيرات الأميركية له، فستبدأ مع عودة كرم، الذي سيلتقي عون اليوم على الأرجح، وعودة السفير الأميركي ميشال عيسى يوم الخميس.
وتجزم مصادر المفاوضين بأن المسارين السياسي والأمني يسيران بالتوازي، لكن لبنان عالق في المسار الأمني، فيما الإطار المكتوب لم تتم الموافقة عليه بعد، رغم إدخال تعديلات إضافية عليه. ويواجه الجانب اللبناني ضغوطاً وإصراراً من واشنطن على تشكيل لجنة للاتفاق على برنامج عمل للمرحلة المقبلة، يتعلق بكيفية مواجهة حزب الله والسيطرة المشتركة على الحدود.
يسعى لبنان إلى خفض التصعيد، لكن في حال فشل ذلك، فهناك ورطة؛ إذ دخل في مسار لا يمكن التراجع عنه، وإذا فشلت المفاوضات فلا بديل.
الجميع في مأزق، ولا ضمانات، والدولة لم يعد بإمكانها العودة إلى الوراء. فقد ذهبوا إلى التفاوض بناءً على وعود الأميركيين، وحتى الرهان بعد 2 آذار كان قائماً على أن إيران ستسقط، وأن حزب الله انتهى.
عندما بدأت الحرب، أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون الاستعداد لمفاوضات مباشرة، واستعان بفرنسا، لكن واشنطن رفضت منحها دوراً. التي تمسكت بإدارة الملف وحدها واستضافة المفاوضات بلا أي شريك آخر.
ذهبت الدولة بعيداً، فاستشعر حزب الله الخطر، وقرر التراجع عن خطوة معاداة بعبدا والانفصال عنها. وكانت بعبدا قد سبقته إلى قرع الباب وطلب التريث في الرد، قبل أن يعلن النائب حسن فضل الله أمس إعادة فتح أبواب العلاقة مجدداً.
ومع تكليف فضل الله بمتابعة الملف، سعت بعبدا إلى إعادة فتح قنوات التواصل. فاتصل النائب إبراهيم كنعان، عقب زيارته بعبدا، بالنائب فضل الله مستفسراً عن إمكان زيارته للقصر الجمهوري ليكون صلة الوصل. فطلب فضل الله مهلة للرد، باعتبار أن قراراً كهذا يستوجب العودة إلى القيادة. وتنوعت الآراء داخل الحزب بين مؤيد للتواصل انطلاقاً من موقع عون الرئاسي، وبين داعٍ إلى التروي: فكيف يبادر الحزب فيما يمتنع بري عن زيارة بعبدا، خصوصاً أن الزيارة المطلوبة كانت ستسبق جلسات التفاوض، ما قد يضعها في سياق تأييد الخطوة؟
رسالتان شديدتا اللهجة من حزب الله ترددت أصداؤهما في أرجاء بعبدا أمس: الأولى عبر كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد الذي انتقد فيه "المفاوضين من دون تفويض ممن يستقوون بالعدو ضد اللبنانيين"، والثانية خلال المؤتمر الصحافي للنائب حسن فضل الله، المفوض حديثاً بملف العلاقة مع عون، حيث حذّر من أن تشكيل "قوة مسلحة عميلة" على غرار "جيش لبنان الحر" عام 1978 و"جيش لبنان الجنوبي" عام 1984 سيواجهه حزب الله "كما نواجه العدو"، قبل أن يؤكد أنه لا قطيعة بين الحزب ورئيس الجمهورية، ولا مانع من استمرار التواصل معه.
وشكّل كلام فضل الله عن العلاقة مع بعبدا "بادرة حسن نية ورسالة" بعد فترة من القطيعة سادت في أعقاب قرارات الحكومة المتعلقة بحزب الله وإعلان بعبدا استعدادها للتفاوض المباشر مع إسرائيل.
ويعتبر حزب الله أنه بعد فشل مسار وقف إطلاق النار عبر واشنطن، وما نتج منه من خيبة أمل لدى المراهنين عليه، و"في إطار فهم ضرورة لملمة الساحة ومنع الدفع نحو المكان الخاطئ"، يبرز توجه داخل الحزب نحو تغليب الحوار الداخلي، في محاولة لدفع من هم في السلطة إلى إعادة النظر في المسار القائم.
ويأمل الحزب أن يؤدي فشل المفاوضات إلى "دفع السلطة خطوة إلى الوراء"، وأن يحصل توافق على ما تعلنه مختلف الأطراف بشأن المفاوضات غير المباشرة، لأن هذه الخطوة قد تؤدي إلى وفاق وطني يحتاجه لبنان، على أن تستند المفاوضات إلى القرار الدولي 1701 ومن داخل الآليات التي أنتجها الاتفاق، أي الميكانيزم، مع عودة فرنسا طرفاً ضمن هذه الآلية، باعتبار أن القرار قادر على تغطية المطالب اللبنانية المتعلقة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الإسرائيلي.
وترتبط رسالة حزب الله "بتوقيت حساس قد تظهر مفاعيله قريباً"، إذ التقط الحزب لحظة فشل الرهان على إسرائيل بعد أربع جلسات من الاجتماعات، وأرسل رسالة إيجابية تدفع الدولة إلى إعادة النظر بخيار المفاوضات غير المباشرة بما يسمح بإعادة إنتاج موقف لبناني موحد.
وتفيد المعلومات بأن بعبدا كانت قد عبّرت، عبر النائب إبراهيم كنعان وأطراف أخرى، عن رغبتها في الانفتاح مجدداً على حزب الله، ولاحقاً حصل تواصل بين الموفد الرئاسي، مستشار رئيس الجمهورية ديديه رحال، وفضل الله، واتفقا على زيارة قريبة.
وما يقصده حزب الله بتجديد علاقته مع بعبدا هو العمل على تخفيف التشنج، ووقف الانحدار في الخطاب، ومنع دفع لبنان أكثر نحو الحضن الأميركي، خصوصاً قبل أي اتفاق أمني، حتى لا يُفتح الباب أمام مسارات قد تؤدي إلى مفاجآت غير محمودة. كما أن التحذير الذي وجهه فضل الله يهدف إلى قطع الطريق أمام أي خطوات قد تورط الجيش في ما لا يستطيع تحمّله.
وكانت قد صدرت عن بعبدا أجواء إيجابية أوضحت خلالها أن مطلب التفاوض يقتصر على وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وتحرير الأسرى، كما حاول عون التراجع عما ورد في بيان الخارجية الأميركية بشأن اتفاق بين دولتين ليست بينهما حالة حرب، وهو ما تلمس منه حزب الله رسالة إيجابية.
ويخشى حزب الله من إدخال لبنان في إطار تتحكم به واشنطن وتديره إسرائيل، ما قد يدفع الأمور إلى أماكن غير آمنة ذات عواقب غير محمودة ولا تتوافق مع المصلحة الوطنية. فلبنان لا يمكن أن يُحكم إلا ضمن إطار التفاهم والمحافظة على الميثاقية، والاستعجال ليس في مصلحة البلد.
وتأتي مبادرة فضل الله في إطار محاولة لقطع الطريق على ما تعمل عليه إسرائيل من إيجاد شرخ داخلي يشغل الساحة ويسمح بتثبيت الاحتلال.
كما نصح رئيس مجلس النواب نبيه بري حزب الله بالتلاقي وعدم الذهاب إلى أي تباينات داخلية في هذه المرحلة، بالرغم من اعتراضه على ما جرى في واشنطن، لكنه يحرص على تجاوز هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ البلاد، ويرى أن الإسرائيلي يحاول توريط لبنان بمسارات تنجرف إليها من دون التفكير بعواقبها.
ومن وجهة نظر حزب الله، فإن مجرد تحويل الملف إلى مسار أمني يُعد أمراً شديد الخطورة، في ظل إدراك الحزب أن واحدة من الوظائف الأساسية للرئيس هي التواصل معه لتحقيق الهدف المطلوب، وأن عهد عون لا يمكن أن يبقى فاعلاً إذا كان الشيعة في موقع عدم الرضى عما يقوم به العهد. كما قد تسهم هذه الخطوة في تخفيف التوتر مع موقع الرئاسة، وفي تعطيل محاولات بعض الأطراف تعزيز التباين بين حركة أمل وحزب الله.
-