العفو العامّ بين العدالة والمزايدات… جان بو شعيا

  • 19 May 2026
  • 56 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    في خضمّ النقاشات الحامية التي يشهدها لبنان حول مشروع قانون العفو العامّ، تبدو الساحة السياسية وكأنّها دخلت مجدَّدًا بازار الشعبوية والمزايدات الطائفية، حيث يحاول كلّ فريق مخاطبة شارعه الخاصّ بدل مقاربة الملف من زاوية العدالة والقانون ومصلحة الدولة. وفي هذا المشهد المعقّد، يبرز موقف التيار الوطني الحرّ كواحد من أكثر المواقف توازنًا ووضوحًا، رغم الحملات السياسية التي تتّهمه بالتشدّد أو العرقلة.

    فالتيار لم يرفض منطق العفو بالمطلق، بل فرّق بوضوح بين "العفو عن المظلومين" وبين "تشريع الإفلات من العقاب". وقد شدّد رئيس التيار جبران باسيل على رفض العفو عن مرتكبي جرائم القتل، وتجار المخدرات، وسارقي أموال المودعين، أو المتورّطين بقتل عناصر الجيش اللبناني، معتبرًا أنّ أيّ قانون لا يراعي هذه الثوابت يشكّل ضربة لمفهوم الدولة ولثقة اللبنانيين بالقضاء.
    وهنا تكمن النقطة الأخطر في النقاش الدائر اليوم: هل يجوز تحت عنوان "العفو العامّ" تبرئة من تلطّخت أيديهم بدماء العسكريين والشهداء؟ وهل يمكن لأيّ دولة تحترم مؤسّساتها أن تمرّر قانونًا يساوي بين المظلوم وبين قاتل جندي كان يحمي الوطن؟ إنّ محاولة إدخال مرتكبي الجرائم الإرهابية أو المشاركين في الاعتداء على الجيش ضمن أيّ عفو شامل، لا تُعتبر فقط إساءة لمؤسّسة الجيش، بل ظلمًا مباشرًا لعائلات الشهداء الذين دفعوا أبناءهم ثمنًا للاستقرار الوطني.

    فالجيش اللبناني لم يكن يومًا فريقًا سياسيًا أو فئةً خاّصة، بل كان الضمانة الأخيرة لوحدة الدولة وسط الانهيارات المتتالية. ومن هنا، فإنّ أيّ مقاربة تتساهل مع من استهدف العسكريين أو اعتدى على المؤسّسة العسكرية، تبدو وكأنّها رسالة خطيرة مفادها أنّ دماء الشهداء يمكن أن تصبح مادة مساومة سياسية أو انتخابية.
    في المقابل، تبدو بعض القوى السياسية وكأنّها تتعامل مع ملفّ العفو بمنطق انتخابي أو فئوي، عبر محاولة استثمار معاناة بعض الموقوفين لتحصيل مكاسب شعبية وطائفية. وهذا ما جعل النقاش حول القانون يتحوّل من معالجة إنسانية وقضائية إلى ساحة تجاذب حادّ، بدل أن يكون مناسبة لإقرار عدالة متوازنة تحمي المجتمع وتحفظ كرامة الضحايا.
    ما يطرحه التيار الوطني الحر لا ينطلق فقط من خلفية سياسية، بل من مقاربة تعتبر أنّ أيّ عفو شامل وغير مدروس سيؤدّي إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، في وقت يعاني فيه لبنان أصلًا من انهيار ثقة المواطن بمؤسّساته. فالبلد الذي لم يحاسب بعد مسؤولين عن الانهيار المالي، ولا عن تبديد أموال المودعين، لا يمكنه أن يبعث برسالة مفادها أنّ الجرائم الكبرى يمكن أن تُمحى بتسوية سياسية.
    وفي الوقت نفسه، لم يغلق التيار الباب أمام المعالجة الإنسانية لبعض الملفات، خصوصًا تلك المرتبطة بالموقوفين الذين لم تثبت بحقّهم جرائم خطيرة، أو الذين طالت محاكماتهم بشكل غير عادل. وهذا ما يعكس محاولة للفصل بين الحقّ الإنساني وبين العبث بمفهوم العدالة.
    اليوم، يحتاج لبنان إلى خطاب مسؤول يوازن بين الرحمة والعدالة، لا إلى سباق شعبوي على من يقدّم "عفوًا أوسع". فالدولة لا تُبنى بالعفو العشوائي، بل بإصلاح القضاء، وتسريع المحاكمات، وحماية المجتمع من المجرمين الحقيقيين. ومن هنا، تبدو مقاربة التيار الوطني الحر أكثر انسجامًا مع منطق الدولة، بعيدًا عن المزايدات التي قد تكسب شعبية ظرفية، لكنّها تضعف ما تبقّى من هيبة القانون.