الحركات المتطرفة: مشروع انتحار سياسي محتّم - بسّام الترك

  • 18 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    التطرّف الديني أو الطائفي في لبنان، مهما كان مصدره، ليس مشروع قوة، بل مشروع انتحار سياسي واجتماعي محتّم. فكل الحركات التي تبني خطابها على العنصرية والكراهية، أو التفوق الفكري أو الديموغرافي الطائفي، أو الاختلاف الثقافي والاجتماعي، ستصطدم بحقيقة لبنانية ثابتة: لا أحد يلغي أحد، ولا أحد قادر على حكم البلد وحده، كما ولا جماعة قادرة على عزل نفسها والاستمرار. وقد أثبت التاريخ والأحداث هذه الحقيقة مرارًا.
    ولا تكمن خطورة التطرّف فقط في العنف الذي ينتجه داخل المجتمع، بل أيضًا في العقلية التي ترافقه: عقلية التقوقع والخوف، واعتبار الآخر تهديدًا وجوديًا دائمًا، أو عائقًا أمام نمط حياة معيّن، أو أقلية يجب سحقها أو ترويضها أو تطويعها. وهذه العقلية، حين تتحول إلى مشروع سياسي، تدفع أصحابها تدريجيًا نحو الانعزال عن محيطهم الوطني، وحتى عن مصالح بيئتهم نفسها، أو نحو محاولة الهيمنة بالقوة بفعل الديموغرافيا أو الظروف والأحداث.
    ولبنان ليس مجتمعًا أحاديًا يمكن تقسيمه بخط مستقيم بين طوائف ومناطق. فالنسيج اللبناني متداخل طائفيًا وديموغرافيًا واجتماعيًا وجغرافيًا واقتصاديًا، إلى درجة تجعل أي محاولة للانغلاق أو الفرز أشبه بالسير في طريق مسدود، أو في مسار نهايته الهاوية.
    فلا توجد طائفة تعيش وحدها، ولا منطقة منفصلة “صافية” بالكامل. كما أنّ لبنان يحمل أصلًا أثقال انقسامات عامودية حادة تراكمت عبر الحروب الأهلية والخارجية المتتالية، والانقسامات الإقليمية. لذلك، فإن أي خطاب متطرّف جديد لن يبني قوة، بل سيعيد فتح الجروح، ويهدد بإعادة إنتاج الخراب نفسه الذي دفع اللبنانيون ثمنه لعقود. ومن هنا، يصبح التطرّف ليس فقط تهديدًا للآخرين، بل تهديدًا مباشرًا للطائفة أو البيئة التي يدّعي حمايتها.
    كما أنّ الحركات المتطرّفة دينيًا وطائفيًا، إضافةً إلى خطر تحوّلها إلى قوى موالية وتابعة لمرجعيات دينية أو طائفية خارجية متناحرة، وتصدير خلافاتها وحروبها إلى الداخل اللبناني، غالبًا ما تتحول وتتطور لتصبح تيارات عنصرية مقلقة، عبر شيطنة المختلف أو تخوينه، أو تصويره كجسم دخيل يجب عزله أو إخضاعه. وهذه الذهنية تناقض تمامًا الفكرة التي قام عليها لبنان، والتي يجب الحفاظ عليها رغم كل الإخفاقات والتحديات: فكرة العيش المشترك والشراكة بين المكوّنات الدينية والطائفية والثقافية المختلفة.
    وفي زمن تتجه فيه دول غربية كثيرة إلى البحث عن نماذج تدير التعددية الدينية والثقافية، وتؤمن التعايش داخل مجتمعاتها التي أصبحت أكثر تنوعًا، يبدو لبنان، رغم أزماته، حاملًا لجواب ونموذج فريد يُحتذى به. فهو بلد يقوم على التوازن بين الطوائف لا على إلغاء إحداها، وعلى الشراكة لا على الذوبان القسري، وعلى احترام حقوق الجميع بالتساوي. وهذا ما جعل من لبنان “رسالة” للعيش المشترك بين الأديان، يجب الحفاظ عليها وحمايتها وتصديرها، لا مجرد دولة صغيرة تافهة دون أهمية.
    فقوة لبنان ليست في أن يتحول إلى مجتمع مغلق تحكمه العصبيات، بل في قدرته على تحويل التعدد مجددًا إلى مساحة حرية وتفاعل ونمو اقتصادي وثقافي وفكري. أما التطرّف، أيًا كان مصدره، فهو مشروع قصير النظر، ونتيجة لظروف وأحداث آنية ينتهي انتشاره بانتهائها. وقد ينجح مؤقتًا في تعبئة الغرائز، لكنه، على المدى المتوسط والبعيد، عاجز عن بناء مجتمع مستقر ومنفتح أو مستقبل مزدهر.

    وفي لبنان تحديدًا، فإن كل دعوة إلى الانغلاق الطائفي بسبب الخوف أو الاختلاف الثقافي، أو إلى “ابتلاع” الآخر بحجة الأكثرية العددية، ليست خيارًا سياسيًا واقعيًا أو مستدامًا، بل مسارًا مدمّرًا للبنان، وانتحارًا محتّمًا للمجموعة نفسها، لأن طبيعة البلد وشعبه، وتركيبته المتنوعة، وتاريخه ومحيطه، كلها عوامل تحسم النتيجة مسبقًا.
    فكروا فيا