موقف باسيل إنقاذ لفكرة الدولة اللبنانية - رندا شمعون

  • 10 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    يمكن تناول موقف النائب جبران باسيل من زاوية سيادية وطنية لبنانية، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي تحاول دائماً وضع أي دعوة إلى قيام الدولة في خانة “العداء للمقاومة” أو “التماهي مع إسرائيل”. فجوهر ما قاله باسيل ليس انحيازاً ضد فئة لبنانية، بل إعادة طرح للسؤال الأساسي الذي يواجه لبنان منذ عقود: من يقرر الحرب والسلم؟ الدولة أم التنظيمات؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية اللبنانيين جميعاً؟

    في زمن الانقسامات الحادة، والمزايدات التخوينية، والتبعية لمحاور الخارج، يبرز موقف رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل كموقف لبناني سيادي متوازن، يرفض الخضوع لأي محور خارجي، سواء كان إيرانياً أو غربياً أو إسرائيلياً، ويتمسك بمبدأ بسيط وواضح: لبنان أولاً.

    ما قاله باسيل ليس موقفاً عابراً، بل رؤية سياسية متكاملة تنطلق من حقيقة أن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون ساحة حروب الآخرين، ولا صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية، ولا منصة مفتوحة لصراعات لا قرار للبنانيين فيها.

    أولاً: لا لإسرائيل… ولكن أيضاً لا لوصاية أي محور خارجي

    عندما يقول جبران باسيل إن التيار الوطني الحر “منحاز إلى لبنان فقط وليس لإيران أو لإسرائيل”، فهو يعيد تصويب البوصلة الوطنية.
    فرفض إسرائيل أمر بديهي ووطني، لأنها عدو احتل الأرض اللبنانية واعتدى على السيادة اللبنانية و دمّر البشر والحجر . لكن في المقابل، فإن رفض التبعية لأي محور خارجي هو أيضاً موقف سيادي لا يقل وطنية.

    لبنان لا يمكن أن يُبنى على قاعدة الانخراط في مشروع إقليمي يقوده أي طرف خارجي، مهما كانت شعاراته.
    فالدول تُبنى بالمؤسسات والقرار الوطني الحر، لا بتحويل البلد إلى جزء من صراعات الآخرين.

    ثانياً: المشكلة ليست “المقاومة” بل مصادرة قرار الدولة

    يحاول البعض تصوير أي انتقاد لحزب الله وكأنه عداء للمقاومة أو خدمة لإسرائيل، بينما الحقيقة أن النقاش المطروح اليوم يتعلق بمفهوم الدولة.

    فحتى الذين يقدّرون دور المقاومة في تحرير الأرض عام 2000، يحق لهم أن يسألوا:
    هل يجوز أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة اللبنانية؟
    هل يجوز أن يدخل لبنان في مواجهة مدمرة من دون قرار الحكومة اللبنانية أو توافق اللبنانيين؟

    ما قاله باسيل يعكس هذه الإشكالية بوضوح:
    حين يتحرك حزب لبناني وفق حسابات إقليمية تتجاوز الإجماع اللبناني، يصبح لبنان كله معرضاً لدفع الثمن، وهذا ما حصل مراراً.

    الحديث هنا ليس عن “شيطنة المقاومة”، بل عن حماية لبنان من الانهيار الكامل، وعن إعادة الاعتبار لفكرة الدولة التي وحدها تستطيع أن تمثل جميع اللبنانيين.

    ثالثاً: هل علاقة حزب الله بإيران “تهمة”؟

    البعض يردّ بالقول إن علاقة حزب الله بإيران ليست تهمة، وإن إيران دعمت المقاومة فيما تخلى العرب عن لبنان.
    وهذا الكلام صحيح جزئياً من ناحية الوقائع السياسية، لكن النقاش الحقيقي ليس أخلاقياً بل سيادياً.

    لا أحد ينكر أن إيران دعمت حزب الله عسكرياً ومالياً، لكن السؤال:
    هل يصبح القرار اللبناني مستقلاً عندما يرتبط جزء أساسي من القوة العسكرية والسياسية اللبنانية بمشروع إقليمي أوسع تقوده طهران؟

    المشكلة ليست في الصداقة مع إيران بحد ذاتها، بل في أن يتحول لبنان إلى جزء من استراتيجية إقليمية لا يملك التحكم بها.

    ولو كان الأمر يتعلق فقط بالدفاع عن لبنان، لما وجد اللبنانيون أنفسهم مراراً أمام مواقف مرتبطة بغزة أو سوريا أو اليمن أو الصراع الإيراني ـ الأميركي.

    السيادة لا تتجزأ.
    فكما نرفض التطبيع مع إسرائيل، نرفض أيضاً أن يُختزل لبنان ضمن أي محور خارجي.

    رابعاً: المقاومة الحقيقية تحتاج إلى شرعية وطنية

    من أبرز النقاط التي طرحها باسيل قوله إن حزب الله يخسر الشرعية والثقة اللبنانية عندما يخرج عن السياق اللبناني.

    وهذه نقطة جوهرية جداً.

    أي مقاومة في العالم تستمد قوتها أولاً من احتضان شعبها لها.
    وعندما يشعر قسم كبير من اللبنانيين أن قرار الحرب يُفرض عليهم من دون رأيهم، تتراجع الوحدة الوطنية، ويصبح الانقسام الداخلي أخطر من أي تهديد خارجي.

    المعادلة التي يطرحها باسيل واضحة:

    إسرائيل مسؤولة عن العدوان والدمار.

    لكن حماية لبنان تكون عبر الدولة اللبنانية.

    والسلام والاستقرار يحتاجان إلى قرار لبناني موحد.

    ولا يمكن لأي طرف أن يحتكر قرار المواجهة منفرداً.

    هذا ليس تخلياً عن الجنوب، بل محاولة لحمايته عبر تثبيت الدولة لا عبر إبقائه ساحة مفتوحة للحروب.

    خامساً: من يحمي الجنوب فعلاً؟

    هناك من يتهم التيار الوطني الحر وكل من يطالب بحصرية السلاح بيد الدولة بأنه “لا يريد الدفاع عن الجنوب”.

    لكن السؤال الواقعي: هل الجنوب يحتاج إلى حروب مفتوحة بلا أفق؟
    أم يحتاج إلى دولة قوية وجيش قوي وغطاء دولي واستقرار دائم؟

    التجارب أثبتت أن اللبنانيين هم من يدفعون الثمن دائماً ، فالبيوت تُدمّر في الجنوب و الاقتصاد ينهار ، و الاستثمارات تتبخّر و الشباب يهاجر والدولة تضعف أكثر فأكثر.

    أما القوى الإقليمية والدولية فتفاوض وتساوم وفق مصالحها.

    لذلك فإن الدعوة إلى أن تكون الدولة اللبنانية وحدها مسؤولة عن الحدود ليست موقفاً “انهزامياً”، بل مشروع إنقاذ وطني.

    سادساً: باسيل يطرح حلاً واقعياً لا شعاراتياً

    ما يميز خطاب جبران باسيل أنه لا يقوم على الشعارات العاطفية ولا على المزايدات ، فهو لا يبرّئ إسرائيل من العدوان ولا يدعُ إلى التطبيع ، ولم يتخلَّ عن حق لبنان بالدفاع عن نفسه.

    لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يبقى لبنان رهينة قرار خارجي أو ساحة حرب دائمة.

    وهذا تحديداً ما يجعل موقفه اليوم الأكثر توازناً وسيادة بين معظم القوى السياسية التي تتجه إما نحو التطرف السيادي المنفصل عن الواقع، أو نحو الارتهان الكامل لمحاور الخارج.

    أخيراً ، لبنان يحتاج إلى دولة لا إلى ساحات

    لبنان لا يستطيع أن يستمر كبلد منقسم بين مشاريع خارجية.
    ولا يمكن لأي طائفة أو حزب أو محور أن يلغي بقيّة اللبنانيين.
    المعادلة الوحيدة القادرة على حماية لبنان هي
    دولة قوية،
    جيش قوي،
    قرار حرب وسلم بيد المؤسسات،
    وسياسة خارجية تنطلق من مصلحة لبنان فقط.

    وهذا تماماً ما عبّر عنه جبران باسيل عندما قال إن لبنان يجب أن يكون منحازاً للبنان فقط.

    في زمن التبعية والانقسامات، يبقى هذا الموقف واحداً من آخر المواقف الوطنية السيادية التي تحاول إنقاذ فكرة الدولة اللبنانية قبل سقوطها النهائي.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology