المقدّسات وحدود التعبير.... جان بو شعيا

  • 03 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • يثير التعرّض للمقامات الدينية في المجتمعات التعدّدية حساسية بالغة، إذ تتقاطع فيه حرّية التعبير مع احترام المقدّسات والرموز التي تشكّل جزءًا من الهوية الجماعية. وفي بلد كلبنان، حيث يتشابك الديني بالسياسي والاجتماعي، تتحوّل هذه المسألة إلى قضية شديدة التعقيد، تتجاوز حدود الرأي الفردي لتلامس السلم الأهلي والاستقرار الوطني.

    لبنان الذي وصفه البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني بـ"الرسالة"، لم يكن مجرّد توصيف شعري، بل تأكيد على فرادة هذا الكيان القائم على التعدّدية الدينية والثقافية. غير أنّ هذه الرسالة تصبح مهدّدة حين يتحوّل الخطاب العام إلى مساحة للتجريح بالمقامات الدينية أو السخرية منها، تحت ذرائع مختلفة، منها حرّية الرأي أو النقد الاجتماعي.

    لا يمكن إنكار أنّ بعض الممارسات المرتبطة بالمقامات الدينية قد تترافق أحيانًا مع مظاهر من الجمود الفكري أو التفسيرات المتشدّدة، ما يفتح الباب أمام النقد المشروع. لكنّ الفرق كبير بين النقد العقلاني الذي يسعى إلى الإصلاح، وبين الخطاب التحريضي الذي يستهدف الرموز بهدف الاستفزاز أو كسب الشعبية. فالأوّل يندرج ضمن إطار الحوار، بينما الثاني يغذّي الانقسام ويعيد إنتاج العصبيات الطائفية.

    في السياق اللبناني، حيث الذاكرة الجماعية مثقلة بالحروب والانقسامات، يصبح أيّ مساس بالمقدّسات بمثابة شرارة قابلة للاشتعال. فالمقامات الدينية ليست مجرّد أشخاص، بل تمثّل رمزية عميقة وانتماءً تاريخيًا وثقافيًا. والتعرّض لها، سواء بالفعل أو بالقول، يُفهم غالبًا كاعتداء على الجماعة بأكملها، لا على فكرة مجرّدة.

    الأخطر من ذلك هو استغلال هذه القضايا في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث يتمّ تضخيم الحوادث أو توظيفها لخدمة أجندات معيّنة. وهنا يتحوّل النقاش من مسألة قيمية إلى أداة تعبئة وتحريض، ما يفاقم حالة الاحتقان ويقوّض فرص بناء دولة مدنية قائمة على المواطنة.

    إنّ التحدّي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين صون حرية التعبير من جهة، وحماية السلم الأهلي من جهة أخرى. وهذا يتطلّب وعيًا جماعيًا بأهمّية المسؤولية في استخدام الكلمة، إضافة إلى دور فاعل للمؤسّسات التربوية والإعلامية في تعزيز ثقافة الحوار واحترام الآخر.

    في نهاية المطاف، لا يمكن للبنان أن يحافظ على "رسالته" إلا إذا أدرك أبناؤه أنّ التنوّع ليس ساحة صراع، بل مصدر غنى. وأنّ النقد البنّاء لا يكون بهدم الرموز، بل بإعادة قراءتها في ضوء قيم إنسانية مشتركة، بعيدًا عن التحريض والتخندق الطائفي.