التحوّل من امتلاك الموارد إلى التحكُّم بالمرور... متى يُوقِظ لبنان أصله النائم؟

  • 01 May 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طلال عسّاف -

    يشهد الاقتصاد السياسي للطاقة العالمية تحوُّلاً هيكلياً عميقاً. لم تعُد السيطرة على الاحتياطيات وحدها مصدر النفوذ. بات القبض على المسارات يُعادلها أهمّية، ويتجاوزها أحياناً. في خضم هذا التحوُّل، تبرز جغرافيا لبنان، المُهمَلة استراتيجياً لعقود، بوصفها أصلاً (asset) نائماً قابلاً للإيقاظ، شرط أن تتوفّر الإرادة على قراءة اللحظة بعيون المستقبل لا بأعباء الماضي.

    الموقع الجغرافي فرصة اقتصادية

    الخطأ الأول في أي نقاش عن لبنان والطاقة هو التعامل مع الموقع الجغرافي كفرصة اقتصادية. الموقع الجغرافي، حين يكون حساساً بما يكفي، هو ورقة سياسية مكتملة الأوصاف. والفارق بين التعامل معه كاقتصاد وكسياسة هو الفارق بين دولة تُدار وأخرى تُؤثِّر.

    المنطق الذي يحكُم الاقتصاد السياسي للطاقة بسيط في صياغته، مركّب في تداعياته. انتقل النفوذ ممَّن يملك إلى مَن يتحكّم بالمرور. وحين تُعاد قراءة لبنان بهذه العدسة، يُصبح أصلاً استراتيجياً أُدير بمنطق دولة ريعية من دون أن تكون دولة ريعية.



    ثمة 4 نقاط في خريطة العالم يمرّ عبرها ما يتجاوز نصف تجارة الطاقة العالمية: هرمز، باب المندب، ملقا، والسويس. وهي في الوقت عينه آليات ضغط جيوسياسي قابلة للتفعيل.



    ارتفاع تكاليف الشحن بنسب تجاوزت 200%



    كشفت عمليات الحوثيِّين في البحر الأحمر بين عامَي 2023 و2024، هشاشةً بنيوية في النظام اللوجستي العالمي. حين تُغلق نقطة واحدة، لا بدائل كافية لاستيعاب الفائض. ارتفعت تكاليف الشحن بنسب تجاوزت 200% على بعض المسارات، وأعادت شركات عملاقة كـ Maersk وHapag-Lloyd توجيه أساطيلها نحو رأس الرجاء الصالح، مضيفةً ما بين 10 إلى 14 يوماً لكل رحلة.

    لا رَيب أنّ الدرس الاستراتيجي الأول هو أنّ مَن يجلس بالقرب من نقاط الخنق يمتلك قيمة تتضخُّم مع كل اضطراب.



    لبنان عند المنتهى الغربي الأكثر حساسية في العالم

    يجلس لبنان عند المنتهى الغربي للقوس المضطرب والأكثر حساسية في العالم، الممتد من هرمز إلى باب المندب، فالسويس. تتناسب قيمة هذا الموقع مع تصاعد الاضطرابات الإقليمية.



    ثمة 3 سيناريوات للبنان تحتاج حُكماً 3 درجات من الجرأة الاستراتيجية.



    - السيناريو الأول: العقدة اللوجستية، الرهان الأقل مخاطرة والأوفر عائداً آنياً. يعالج مرفأ بيروت راهناً ما يقارب مليون حاوية سنوياً بطاقة استيعابية تقارب نظرياً مليوناً ونصف مليون حاوية. ويشتغل مرفأ طرابلس من دون طاقته الكاملة بكثير. في المقابل، يتنافس مرفأي بورسعيد المصري ومرسين التركي بضراوة على حصة إعادة الشحن في شرق المتوسط. وكل ارتفاع في كلفة العبور عبر السويس يعزّز نسبياً تنافسية المرافئ البديلة، ومنها لبنان.



    تعني إعادة بناء منظومة الموانئ اللبنانية تحريرها من شبكات المحاصصة التي حوَّلتها إلى إقطاعيات ريعية، وأحياناً ذات طابع قبلي، وإدماجها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة تُعيد تعريف الدور الاقتصادي والسيادي.



    - السيناريو الثاني: منصة خدمات الطاقة، وهذا رهان متوسط المدى. إذ أعاد التحوُّل إلى الغاز الطبيعي المسال كوقود عبور عالمي رَسْم خريطة البُنية التحتية اللازمة. بذلك تحوَّلت محطات الاستقبال والتخزين والإعادة إلى بُنية تحتية ذات أهمّية استراتيجية.

    النموذج المرجعي في هذا السياق ليس هولندا أو سنغافورة كما يُستشهد بهما عادةً، بل رأس مركز العُماني كنموذج للتحوُّل الاستراتيجي في الجغرافيا الطاقوية، من موقع غير مستثمر طاقوياً إلى مركز تخزين ولوجستي استراتيجي، بقرار سياسي واضح وبيئة تنظيمية حاسمة.



    يملك لبنان في الزهراني ودير عمار بُنية تحتية قائمة تحتاج تطويراً لا بناء من الصفر. ما ينقصه قانون استثمار في الطاقة يمنح ضمانات فاعلية وسلطة تنظيمية مستقلة تملك صلاحيات حقيقية ورؤية استراتيجية.



    - السيناريو الثالث: نقطة نهاية الممرات البرية، وهذا الرهان هو الأجرأ والأبعد مدى والأكثر إثارة والأصعب تحقيقاً. ليست جديدةً فكرةُ الربط البري بين الخليج والمتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان، لكنّها تكتسب منطقاً جديداً مع كل متغيّر إقليمي.

    تجعل 3 عوامل هذا المشهد أقل استحالة للتحقّق ممّا كان عليه قبل عقد من الزمن، تأسيساً على إعادة تشكّل سوريا، الضغط العراقي نحو التنويع، وارتفاع كلفة الشحن البحري. غير أنّ تفعيل هذه الأدوار يبقى مشروطاً بحدّ أدنى من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل.

    يكمن الخطر الاستراتيجي لعدم المشاركة في هذا النقاش الآن، في أنّ الخريطة الجيوسياسية ستُرسم من دون لبنان، أو بلبنان هامشي.



    ثمة وَهم شائع يقول إنّ الجغرافيا تنتظر. الجغرافيا لا تنتظر، لكنّ الخرائط السياسية والاقتصادية تُرسم بشكل مستمر، ومَن يغيب عن طاولة رسْمها لا يجد مقعداً حين تُطبع وتُنشر.

    يواجه لبنان معادلة نادرة. يملك أصلاً استراتيجياً لا يمكن اصطناعه، هو الموقع، في لحظة يرتفع فيها الطلب على هذا الأصل نتيجة اضطراب الممرات البحرية، مع نافذة زمنية حقيقية قبل أن تكتمل البدائل الإقليمية.



    الدول التي قرأت جغرافيّتها متأخّرة دفعت من سيادتها ثمن التأخّر. ولبنان، الذي أنهكته عقود من إدارة الأزمات، يحتاج بالضبط إلى ما يبدو اليوم صعباً ومرهقاً. يحتاج إلى فالتفكير بمنطق 20 سنة في لحظة لا تتجاوز أفقها السنة القائمة. هذا التحدّي وتلك الفرصة، وكلاهما ينتظر قراراً، لا معجزة.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology