-
غادة حلاوي -
لبنان يقف اليوم على حافة مفصل حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية لتفرض مسارًا بالغ الحساسية. بين خيار التفاوض المباشر وخيار المواجهة، تتصدّع وحدة القرار، فيما يُختبر معنى الدولة وحدودها تحت النار.
منذ أن أطلق رئيس الجمهورية جوزاف عون مواقفه ورفع سقف المواجهة مع حزب الله، بات الاجتماع الرئاسي على المحك. اجتماع يُعقد بضغط أميركي–إيراني، مطلوب منه توثيق اللحظة لتشكّل سندًا لموقف رئيس الجمهورية الداعم لخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل.
تقاطعٌ سعودي–أميركي، وإصرار على صورة تجمع الرئاسات الثلاث في بعبدا، للاتفاق على موقف موحّد أو دعم مواقف رئيس الجمهورية. كان ذلك قبل أن يخرج عون مُشهِرًا مواقفه في مواجهة حزب الله، بمرافعة دفاعًا عن خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
من وجهة نظر الثنائي، صعّب عون الموقف وعقّد العلاقة بعد تخوينه حزباً يخوض حربًا في مواجهة العدوان الإسرائيلي وبيئةً كاملة. ويرى الثنائي أن عون تجاوز الخط الأحمر الوطني بحديثه عن التخوين، وبات من الصعب على رئيس المجلس تأمين الغطاء لخطواته، فيما يذهب منفردًا إلى مفاوضات مباشرة على وقع الغارات وهدم المنازل المتواصل. والخشية أنه اختار خيارًا قد يفجّر البلد.
أفضت الاتصالات إلى إلغاء الاجتماع الثلاثي، وبات التباعد سمة العلاقة بين بعبدا والثنائي. والرئيس الذي كان وجوده يطمئن بري، باتت خطواته باتجاه المفاوضات موضع قلق. لكن المقرّبين كانوا يردّدون أمس أن رئيس الجمهورية وافق على مبدأ الذهاب إلى واشنطن، لكنه تحدّث عن اعتبارات تمنعه من الاجتماع مع نتنياهو، وقد أبدى ترامب تفهّمه.
وإذ جرى تسريب حديث عن اتصال مباشر بين عون وبري، وعن أن رئيس المجلس لا يمانع التفاوض، أصدر بري بيانًا تضمّن مواقف تؤكد الهوّة بين الرئاستين الأولى والثانية. فقد أكد موقفه المعارض للمفاوضات المباشرة، قائلًا إن الثقة "بين الرئيس نبيه بري وجماهيره راسخة رسوخ الجبال”، مضيفًا أن "الإحراج والحزن الوحيد الذي ينتابنا هو على الحرية والحقيقة التي بتنا نخشى عليهما ممن ضلّوا طريق الصواب الوطني". وأضاف: "الثوابت هي الثوابت، ولن نقايض عليها تحت أي ظرف من الظروف، ومعلوم أننا لسنا مع التفاوض المباشر".
في المعلومات أن عدم اجتماع الرؤساء لا يلغي استمرار المساعي على خط الرئاستين، وأن بري يشترط على عون وقفًا مسبقًا لإطلاق النار قبل المفاوضات، ليصبح بذلك ممكنًا التفاهم أو التباحث، لا الذهاب إلى التفاوض فيما العدوان الإسرائيلي مستمر. ومن جهتها، أرسلت بعبدا إشارات تفيد بأن زيارة عون إلى واشنطن ممكنة، لكنه حتمًا لن يلتقي نتنياهو، وقد أبلغ الرئيس ترامب بذلك، الذي أبدى تفهّمًا للاعتبارات اللبنانية.
منذ طُرحت، لم ترقَ فكرة الاجتماع الثلاثي لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي أزعجته عودة ترويكا الحكم. فرفض حضور الاجتماع قبل إلحاح سعودي، ليعود ويوافق بشرط ألّا يتكرّس هذا النمط. وقد أقلقت عودة الترويكا رئيس الحكومة، وإن كانت عودة شكلية، نظرًا للتباعد في وجهات النظر بين عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي حظي بلفتة سعودية، حيث عمّم الأمير يزيد بن فرحان على من التقاهم ضرورة الحفاظ على علاقة طيبة مع بري.
لكنها لفتة لم تُلغِ الحذر في الإصرار السعودي على العلاقة مع بري ومهادنته، في وقت تُصر فيه على سحب سلاح حزب الله وتشترطه بداية لتحوّل في علاقتها مع لبنان.
تفصل السعودية بين حزب الله وبري، وإن كان إصرارها على الحوار مع بري ينطلق من موقعه الدستوري والسياسي. وقد تقدّمت السعودية إلى بري بمبادرة عنوانها: سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي، ونبّهت إلى ضرورة اغتنام فرصة حصر سلاح حزب الله مقابل الانسحاب، وإلا قد يستغرق احتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية سنوات، مع وعد بإعادة الإعمار في حال سحب السلاح. فجاء جواب الثنائي بأن الأولوية لوقف العدوان والانسحاب وتحرير الأسرى، وبعدها يُبحث حل مسألة السلاح عبر حوار داخلي ضمن استراتيجية الأمن الوطني.
حددت السعودية مسار التفاوض المباشر، فأبلغت عون وجود محاذير حول لقاء نتنياهو أو توقيع اتفاق سلام. ولم تكن زيارة بن فرحان مريحة لحزب الله، الذي لمس تباينًا في الطروحات بينه وبين الجانب المصري. ففي حين يربط السعودي سحب السلاح بسقف اتفاق الطائف ويضعه في إطار سلاح الميليشيات، يطرح المصري مسألة احتواء السلاح. كما أن السعودي، وعلى عكس ما أعلنه، لا يمانع مفاوضات عون المباشرة، ويريد أن يكون صاحب الفضل في هذا الإنجاز أمام الأميركي.
يُثير إصرار عون على مسار المفاوضات المباشرة، فيما تواصل إسرائيل سياسة تدمير المنازل، وكان آخرها تفجير بلدة القنطرة، استغرابًا حيال قبول لبنان التفاوض تحت النار.
يؤكد بيان بري المقتضب أن بين بعبدا وعين التينة وحزب الله تراكمٌ من العتب واللوم، رغم محاولات بعبدا المستمرة للتواصل مع عين التينة وحزب الله. لكن الثنائي يعتبر أن من غير الممكن تغطية الرئاسة الأولى التي وافقت على بيان الخارجية الأميركية، وما تضمّنه من بنود تمنح إسرائيل حق الدفاع عن النفس واستهداف حزب الله، باعتباره يشكّل خطرًا مشتركًا على لبنان وإسرائيل.
وصل لبنان إلى منحدر أكثر خطورة بفعل الحرب الإسرائيلية العنيفة وتضارب الموقف اللبناني حيال المفاوضات. وباتت بعض المواقف تعتبر أن لبنان ليس في حالة حرب مع إسرائيل، وأن الأخيرة في حالة حرب مع حزب الله، وهذا ما أدى إلى فصل الجنوب عن باقي البلاد وإباحة قتل أهله وتهجيرهم. والأصعب أن عون، إزاء هذا العدوان المستمر، يمضي قدمًا في الدفاع عن المفاوضات، داعيًا إلى انتظار النتائج للحكم عليها، فيما يموت الناس في بيوتهم وتُدمّر القرى بمن تبقّى من أهلها.
وعلى الرغم من تدخل ترامب، فإن الهدنة المتفق عليها لم تصمد، وإن كانت قد حيّدت بيروت والضاحية، بما يعكس وجود تفاهم يُدخِل لبنان شريكًا فيه لتحييد العاصمة وضاحيتها مقابل استمرار الحرب على حزب الله في الجنوب، في ظل غياب نفي رسمي للرواية الإسرائيلية.
لبنان اليوم بين مسارين: تفاوض مباشر لا إجماع حوله ولا تغطية من فريق أساسي يملك الميدان، ومسار آخر مدعوم من إيران، تعتبره كفيلًا بتحقيق المطلوب، وتؤيده دول عدة، بينها فرنسا التي لم تكن مرتاحة للخطوات التي اتخذها لبنان في هذا الاتجاه. وبحسب مصادر موثوقة، عاتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان لعدم طلب إشراك فرنسا في طاولة المفاوضات، مشيرًا إلى أن باريس اضطرت للاستفسار من الجانب الأميركي عن نتائج جلسات الحوار.
يصر عون على مسار المفاوضات المباشرة، ويمضي في التحضيرات لذلك، وفي المعلومات أن غرفة لإدارة المفاوضات يتم تحضيرها في بعبدا، بينما يتم اختيار الوفد المفاوض. في المقابل، لا يعوّل حزب الله لإنهاء العدوان الإسرائيلي إلا على عاملين: المفاوضات الإيرانية–الأميركية، والمواجهة في الميدان، حيث أعاد رسم المعادلات ويتحضّر لإطلاق العمليات الاستشهادية مجددًا.
-