معادلة مزدوجة تعيد تشكيل قواعد الاشتباك وتؤجّل الحسم

  • 25 April 2026
  • 25 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    أنطوان الأسمر -

    يشهد المسار اللبناني- الإسرائيلي لحظة إعادة تموضع دقيقة، تتجاوز في دلالاتها حدود التفاوض التقني نحو إعادة تعريف موقع لبنان داخل شبكة التوازنات الإقليمية. فانتقال المحادثات من الإطار البيروقراطي في وزارة الخارجية الأميركية إلى قلب القرار التنفيذي في البيت الأبيض إشارة إلى أن الملف بات جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع لدى الولايات المتحدة. يوحي هذا التحول برغبة في إدارة أكثر إحكاماً لإيقاع التفاوض، وربما في منع انزلاقه إلى مسارات غير مضبوطة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
    في الميدان، لا تبدو الوقائع منسجمة مع الإيقاع الديبلوماسي. ما يُفترض أنه وقف لإطلاق النار يتحول عملياً إلى هدنة رخوة، مع تآكل مستمر لقواعد الاشتباك. يعكس تراجع الالتزام بما يُعرف بـ "الخط الأصفر" واقعاً مختلفاً: العمليات العسكرية مستمرة ولكن ضمن سقف محسوب، يطال في كثير من الأحيان البنية السكنية في القرى الحدودية. لا يشير هذا النمط فقط إلى ضغط عسكري، بل إلى إدارة مدروسة للتوتر، حيث يتم فصل المسار التفاوضي عن الميدان بشكل يسمح لكل طرف بتعزيز موقعه دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
    في هذا السياق، تبدو إسرائيل كأنها تعتمد استراتيجية مزدوجة قائمة على الحفاظ على طاولة التفاوض متاحة، بالتوازي مع تثبيت وقائع ميدانية تمنحها أوراق قوة إضافية. ولا ريب أن إعادة تعزيز الانتشار العسكري في الجنوب جزء من سياسة ضغط تهدف إلى تحسين الشروط التفاوضية. يمنح هذا الفصل بين الأداتين العسكرية والدبلوماسية تل أبيب مرونة عالية، لكنه يرفع في الوقت نفسه منسوب المخاطر، لأن أي خطأ تكتيكي قد يدفع نحو تصعيد غير محسوب.
    في المقابل، يدخل العامل العربي بثقل متزايد، تقوده كل من المملكة العربية السعودية ومصر، في محاولة لاحتواء التداعيات المحتملة على الداخل اللبناني. لا يمكن فصل هذا التحرك عن قراءة أوسع لهشاشة الوضع في لبنان، حيث يتقاطع التوتر الأمني مع أزمة سياسية واقتصادية عميقة. لا يقتصر الهدف على دعم الاستقرار، بل منع تحوّل لبنان مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بما قد يهدد التوازنات الداخلية الدقيقة.
    غير أن هذا الحراك العربي، رغم أهميته، يصطدم بواقع لبناني معقد. فإعادة إنتاج حد أدنى من التوافق الداخلي تبدو شرطاً أساسياً لنجاح أي مسار تهدئة. من دون ذلك، يبقى أي دعم خارجي عرضة للاهتزاز، لأن الانقسام الداخلي يحدّ من قدرة الدولة على التفاعل كطرف تفاوضي موحّد. هنا تحديداً تتقاطع الضغوط الخارجية مع إشكالية بنيوية في النظام، حيث يصعب الفصل بين القرار السيادي والتوازنات الداخلية.
    على المستوى التفاوضي، يبرز اتجاه واضح نحو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يُصار إلى تثبيت الاستقرار الميداني أولاً، ثم الانتقال إلى التفاوض السياسي. تعكس هذه المقاربة محاولة لتفادي الوقوع في فخ التفاوض تحت الضغط العسكري، وهو نمط خبره لبنان في مراحل سابقة وكانت كلفته مرتفعة. لكنها في الوقت نفسه تضع المفاوض اللبناني أمام معادلة دقيقة، إذ عليه تحقيق توازن بين الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار وعدم تقديم تنازلات تحت الإكراه.
    يتمثل التحدي الأبرز في اتساع جدول الأعمال التفاوضي. فبينما يسعى لبنان إلى حصر النقاش في مسائل محددة كتثبيت الحدود أو الترتيبات الأمنية، تعمل إسرائيل على توسيع الإطار ليشمل قضايا بنيوية، وعلى رأسها دور حزب الله ونفوذ إيران والسلام. يرمي هذا التحول في طبيعة الطرح إلى نقل النزاع من مستوى قابل للإدارة إلى مستوى أكثر تعقيداً، مما يضع لبنان أمام خيارات صعبة داخلياً وخارجياً.
    في هذا الإطار، تكتسب الإشارات الصادرة عن الدولة اللبنانية أهمية خاصة. فالدعوات إلى ضبط السلاح غير الشرعي هي رسائل سياسية موجهة إلى الخارج، مفادها أن الدولة تسعى إلى استعادة دورها كمرجعية وحيدة في إدارة الأمن. غير أن ترجمة هذه الرسائل إلى وقائع تبقى رهناً بميزان القوى الداخلي، وهو ما يحدّ من فعاليتها في المدى القصير.
    أما في واشنطن، حيث تتقاطع المصالح الدولية، فإن إدارة التفاوض تبدو أقرب إلى عملية ضبط مستمر للإيقاع، أكثر منها سعياً إلى حل نهائي سريع. يتحول تمديد الهدنة إلى أداة تكتيكية، تُستخدم لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة ومنع الانفجار، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب التسوية. يعكس هذا النمط إدراكاً بأن التناقضات القائمة، سواء داخل لبنان أو على مستوى الإقليم، لم تنضج بعد بما يكفي لإنتاج حل مستدام. الحاصل أن التفاوض قائم، لكن تحت مظلة توازن هش بين الضغط العسكري والاحتواء الدبلوماسي. يبقى نجاح هذا المسار رهن قدرة الأطراف على منع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، وبإمكان إنتاج حد أدنى من التفاهم الداخلي في لبنان. دون ذلك، سيبقى البلد عالقاً في منطقة رمادية. لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر، بل حالة معلّقة تُدار يومياً على حافة التصعيد.