الراعي: هذه الحرب المفروضة مرفوضة من الشعب ومن الدولة

  • 19 April 2026
  • 56 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قداس يوم المحبة والتضامن على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة"، انطلاقا من رسالة الكنيسة في مواكبة أبنائها واحتضانا للأخوة النازحين من قراهم الجنوبية.

    بعد الإنجيل المقدس، القى الراعي عظة بعنوان: "أما كان قلبنا متّقدًا فينا حان كان يكلّمنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟"، قال فيها: "إنجيل مسيرة الرب يسوع القائم من الموت مع التلميذين المصدومين من صلبه، والعائدين من أورشليم إلى قريتهما عمّاوس، على بعد أحد عشر كيلومتراً، ما هو إلا الاحتفال بالفداس الأول في أحد قيامته. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة بالوفود الآتية من بلدات الجنوب اللبناني، وعلى رأسها كهنة ورؤساء بلديات ومخاتير، إلى جانب مؤسسات اجتماعية من مثل رابطة كاريتاس لبنان، ومؤسسة L’Œuvre d’Orient، والرابطة المارونية، والمؤسسة المارونية للانتشار، والمؤسسة البطريركية للإنماء الشامل، والبعثة البابوية، وجمعية مار منصور دو بول، ومجلس الجنوب، وsolidarity، ومطبخ مريم، إلى جانب أشخاص داعمين مادياً. جميعهم مشكورون من كل القلب".

    وتابع: "أحيّي البلدات الثلاث والستين المتمثلة بيننا للصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا، وشفاء الجرحى، وعزاء أهلهم. ونصلّي كي يحوّل الله هدنة وقف إطلاق النار من عشرة أيام إلى إيقاف الحرب وإلى إحلال سلام دائم وشامل وعادل، يتمّ بالحوار الجدّي المتجرّد، وبالمفاوضات الدبلوماسية، لخير لبنان واللبنانيين جميعاً، تحت لواء الدولة وحدها، وبحماية واستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وبوحدة سلاحها. إنجيل تلميذَي عمّاوس هو إنجيل الطريق، طريق الإنسان حين يظن أن كل شيء انتهى، فإذا بالله يكشف له أن ما اعتبره نهاية، هو في الحقيقة بداية جديدة. كان التلميذان من بين الرسل الإثنين والسبعين، يسيران عائدين من أورشليم بعد موت يسوع، يحملان خيبة كبيرة، وكأن الرجاء قد انطفأ في قلبيهما مع الصليب. مسافة طويلة قطعاها على الأقدام، يتحادثان، ويتساءلان، ويتألمان، وكأنهما يعيدان قراءة ما حدث دون أن يفهما معناه. في هذا الطريق بالذات، اقترب منهما يسوع وسار معهما، دون أن يعرفاه. هذا المشهد بحد ذاته يحمل رسالة عميقة: المسيح حاضر حتى عندما لا نراه، موجود حتى عندما لا ندركه، يرافق الإنسان في ضعفه، في حيرته، في انكساره. سألهما عمّا يتحادثان، فعبّرا له عن خيبتهما، عن الرجاء الذي خاب، وعن الحلم الذي ظنّاه قد انتهى. هو الإنسان، وهي الجماعة، وهي الكنيسة، تحمل همها وتطلعاتها ومشاكلها. أمّا الرب يسوع فأسّس للإنسان وللكنيسة سر الإفخارستيا، ليكون معه ومعها "حتى نهاية العالم" (متى 28: 20)، بأقسام هذا السر الثلاثة: قسم الكلمة، وقسم الذبيحة والمناولة، وقسم الرسالة. فقسم الكلمة في سر الإفخارستيا، أي القداس الإلهي أو الليتورجيا الإلهية، يحمل عبادة المؤمن والجماعة معبّراً عن همومه وآماله وإقراره بخطاياه وتوبته. هذا مضمون صلاة الحسّاية وما يسبقها وما يليها. في هذه الحالة نحن نؤمن أنّ الله حاضر معنا ويكلمنا ويسمعنا، مثلما فعل يسوع مع التلميذين. في الطريق، اقترب منهما يسوع وسار معهما، لكن بعد أن استمع لهما، بدأ يشرح لهما الكتب، ويُريهما أن ما حدث لم يكن نهاية، بل تحقيق لما قاله الأنبياء: أن المسيح كان عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم. هذا يجري في قسم الكلمة عندما نسمع كلام الرب في الرسالة والإنجيل، وفي العظة التي توصل إلى قلب المؤمن والجماعة تفسير مضمون هذا الكلام الإلهي".

    أضاف: "في قسم الذبيحة والمناولة، عندما جلس يسوع معهما إلى المائدة، قام بأربعة أفعال ما زال يردّدها اليوم كهنة العهد الجديد: "أخذ الخبز وبارك، وكسر، وأعطاهما". فانفتحت أعينهما وعرفاه. فغاب عنهما. هذا هو قلب القداس: الذبيحة والمناولة. هنا يتحوّل السماع إلى حضور، والكلمة إلى لقاء حي مع المسيح. عندما نتناول جسده، لا نأخذه مجرد رمز، بل نأخذ قوة حقيقية: قوة جسدية وقوة روحية، قوة تُسندنا في تعبنا، وترافقنا في قلقنا، وتثبتنا في الرجاء. المسيح حاضر في هذا السر، حاضر عندما تضيق الطرق، حاضر في الحيرة والانتظار،حاضر في كل قلب يبحث عنه. وكما عرفه التلميذان عند "كسر الخبز"، هكذا يُعطى لنا أن نعرفه في كل مناولة، في كل لقاء صادق معه.أمّا قسم الرسالة فيذكّرنا بأن المسيحية هي رسالة تشهد للمسيح الحاضر معنا والفاعل أبداً في النفوس بفعل الروح القدس. فنبدأ الرسالة في العائلة والمجتمع والدولة، وهي شهادة في حياتنا لمحبة المسيح لجميع الناس. فبعد أن عرف التلميذان يسوع، لم يبقيا في مكانهما، بل عادا على فور إلى أورشليم، سائرَين مجدداً الأحد عشر كيلومتراً، وفي الظلام. فالقداس لا يُختتم عند المذبح، بل يبدأ في الحياة اليومية. الرسالة هي أن يحمل الإنسان ما اختبره من ثقافة القربان، وأن ينقل النور الذي ناله، وأن يشهد للرجاء الذي امتلأ به. فكما عاد التلميذان ليعلنا القيامة، هكذا يُدعى كل مؤمن ومؤمنة أن يكون شاهدًا، وأن يحمل الإيمان إلى العالم، وأن يزرع الرجاء حيثما يوجد تعب أو انكسار. وأنتم، يا أهل الجنوب، الاحباء أنتم في قلب الكنيسة، في قلب الوطن، في قلب الضمير، أكنتم مهجّرين أم صامدين في قراكم ، كما عبّر فخامة رئيس الجمهورية في كلمته أول من أمس".

    وقال: "في قراكم، أنتم سياج هذا الوطن، أنتم الذين، رغم كل شيء، لا تزالون ثابتين. أنتم لستم فقط ضحايا، بل أنتم شهود. شهود على الصمود، شهود على الإيمان، شهود على أن الإنسان يستطيع أن يبقى واقفًا رغم الألم. وأنتم أيضًا، من بقي محاصرًا في قريته، ومن ينتظر، ومن يعيش القلق، له الحق أن تُؤمَّن له حاجاته، أن يُصان وجوده، أن تُمدّ إليه يد المساعدة، وفق ما يفرضه الواجب والحق والقانون الدولي. كما عبّر تلميذا عمّاوس عن أوجاعهما، أنتم اليوم تعبّرون عن وجع شعبكم ووجعكم انتم. والمسيح يسمعكم، ويخاطبكم، ويشرح لكم ما يحدث. ووسط كل هذا، نقول بوضوح: إن هذه الحرب المفروضة، هي مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى. وأنتم اليوم، في صمودكم، وفي شهادتكم، تشاركون في بناء هذا السلام. فالسلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله".

    وختم الراعي: "نصلّي معكم من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية، رافعين المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

    في ختام القداس، القى رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي كلمة قال فيها: "نلتقي اليوم في هذا الصرح البطريركي المبارك، قلب الكنيسة النابض، لنرفع الصلاة معًا من أجل أهلنا في الجنوب، الذين يعيشون الألم بصبر، ويواجهون المحنة بإيمان، ويتمسّكون بأرضهم رغم كل الصعاب. باسم المؤسسات الكاثوليكية في لبنان، نرفع إليكم، صاحب الغبطة، أسمى آيات الشكر والتقدير، على وقوفكم الدائم إلى جانب شعبكم، وعلى صوتكم الصادق الذي لم يتعب يومًا في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقّه في العيش بسلام وأمان".

    وتابع: "لقد دعوتُمونا، يا صاحب الغبطة، إلى أن نبقى إلى جانب أهلنا في القرى الحدودية، تلك التي سمّيتموها "سياج الوطن"، وكنتم لنا الدليل والقدوة في هذه الرسالة. فلبّينا النداء، وسنستمر، لأننا نؤمن أن رسالتنا ليست فقط خدمة إنسانية، بل شهادة إيمان حيّة. ولا يمكننا في هذه المناسبة إلا أن نستذكر، بكل فخر وتأثّر، حضوركم الشخصي إلى الجنوب، في أصعب الأيام وأشدّها قصفًا وخطرًا، حين وقفتم في كوكبا وجديدة مرجعيون والقليعة، ممسكين بعصاكم، لتقولوا كلمات ستبقى منارة لكل الأجيال: "الأرض أرضنا، والأرض هويتنا، لن نترك أرضنا ولن نتخلى عن هويتنا".

    وقال: "هذه الكلمات لم تكن مجرد موقف، بل كانت إعلان رجاء، ورسالة ثبات، وسيحفظها التاريخ في صفحات هذا الوطن. إن المؤسسات الكاثوليكية، بكل طاقاتها، ستبقى إلى جانب أهلنا، في القرى كما في أماكن النزوح، نساندهم، نخفّف عنهم، ونحفظ معهم كرامة الإنسان التي هي في صلب رسالتنا. نصلّي اليوم من أجل السلام، سلام عادل وثابت، يحفظ لبنان وأهله، ويعيد لكل إنسان حقّه في الحياة بكرامة. ونؤكد لكم أننا، كما كنّا دائمًا، سنبقى أمناء لهذه الرسالة، ثابتين في الرجاء، عاملين بمحبة، إلى جانب كل محتاج. حفظكم الله، وحفظ لبنان، وأبقى كنيسته علامة رجاء في هذا الشرق".

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology