من وهم التعافي إلى الانكماش

  • 17 April 2026
  • 23 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: نداء الوطن
    • article image

    عماد الشدياق -

    لم تعد الأزمة في لبنان مرتبطة بكيفية استعادة النمو أو إعادة تحريك عجلة الاقتصاد. بل في كيفية منع الانهيار من التوسع أكثر... هذا هو الانطباع الذي يخرج به أغلب الخبراء. فالحرب لا تضرب قطاعًا بعينه، بل تنقل الاقتصاد اللبناني كلّه من حالة "التعافي الهش" إلى حالة "اقتصاد طوارئ". اقتصاد يتآكل فيه الدخل، وتتراجع فيه إيرادات الدولة، بينما تزداد هشاشة السوق والقدرة الشرائية، في وقت يبقى فيه أيّ دعم خارجي معلقًا بشرط حصر السلاح بيد الدولة.

    انكماش النشاط الاقتصادي

    الحرب الدائرة اليوم، تبدو أكثر قسوة من سابقتها، لأن الاقتصاد اللبناني لم يكن قد تعافى أصلًا من آثار الحرب السابقة وأزماته البنيوية المتراكمة. فالجروح التي خلّفتها حرب 2024 تحولت اليوم إلى ندوب دائمة، فيما تضيف الحرب الجارية أعباءً أعمق من قدرة الدولة على المعالجة في المديين القريب والمتوسط. المعنى الفعلي لذلك أن لبنان يدخل هذه الجولة من التصعيد من دون هوامش مالية أو نقدية حقيقية، ومن دون قطاع عام قادر على الامتصاص، ومن دون بنية إنتاجية قادرة على تعويض الخسائر.


    تراجع إيرادات الدولة واتساع العجز

    الضرر الأول يقع على مالية الدولة نفسها. التقديرات المتداولة في هذا السياق تشير إلى أن إيرادات الدولة قد تنخفض بنسبة كبيرة، قد تصل إلى نحو 50 % بما يقود إلى عجز فوري في موازنة هذا العام (2026). وهذا التطور يعني عمليًا تراجع قدرة الدولة على الإنفاق التشغيلي والخدماتي، وتزايد صعوبة تمويل أي استجابة اجتماعية أو إعادة إعمار، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام المؤسسات العامة أو دفع رواتب القطاع العام.


    الضغط على الاحتياطيات

    من هذه النقطة ينتقل الأثر مباشرة إلى النقد والاستقرار المالي. فالحرب تضغط على سيولة مصرف لبنان، وتسرّع استنزاف الاحتياطيات القابلة للاستخدام من العملات الأجنبية. وإذا استمر هذا المسار، تصبح قدرة المصرف المركزي على ضبط الأسواق ودعم سعر الصرف واحتواء التضخم أكثر محدودية، ما يفتح الباب أمام دورة جديدة من الاضطراب النقدي وذبذبة في سعر صرف الليرة، برغم تأكيدات مصرف لبنان في شأن قدرته على ضبط العرض والطلب.


    تراجع التحويلات

    هنا تظهر الحلقة الأخطر: الحرب تضرب المداخيل من جهتين في آن واحد. من جهة أولى، تتراجع حركة الاستهلاك والنشاط الاقتصادي الداخلي. ومن جهة ثانية، تدخل تحويلات المغتربين، ولا سيما من الخليج، في دائرة الخطر. هذه التحويلات التي شكلت في المرحلة السابقة أحد أهم مصادر صمود الاقتصاد اللبناني، قد تكون بدأت تتراجع، أو على الأقل دخلت مرحلة "عدم يقين" حادّة. وإذا صحّ هذا الاتجاه، يكون لبنان قد بدأ يخسر صمّام الأمان الأهم الذي أبقى جزءًا واسعًا من الأسر خارج الانهيار الكامل منذ بدء الأزمة.


    أزمة معيشية وغذائية

    لا يقتصر أثر الحرب على المالية والنقد، بل يمتد سريعًا إلى الأسواق والسلع والأمن الغذائي. فتعطل الإمدادات، وارتفاع أسعار الغذاء، وتزايد الطلب مع موجات النزوح، كلها عوامل تدفع نحو مزيد من الضغط على الأسواق. والخطر هنا لا يقتصر على الغلاء، بل يصل إلى إمكان اضطراب التوزيع نفسه وتراجع المخزونات في بعض المناطق، ما يعني أن الحرب لا تنتج فقط انكماشًا اقتصاديًا عامًا، بل تبدأ بتحويله إلى أزمة معيشية يومية تمس الغذاء نفسه.


    السلاح أولًا

    إذا كانت الدولة ضعيفة والسوق مرتبكة والقدرة الشرائية تتدهور، فإن الرهان على الخارج لا يبدو جاهزًا للترجمة السريعة. المقاربة الدولية، وخصوصًا الأميركية، لا تنظر إلى الاقتصاد اللبناني كملف مستقل يمكن معالجته بالأرقام وحدها، بل كملف مؤجل إلى حين تثبيت التهدئة ووقف النار وحصر السلاح غير الشرعي في يد الدولة، التي تحضر اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد في واشنطن، عبر وفد يترأسه وزير المالية ياسين جابر ولا يُنتظر من الوفد أن يعود بأي جديد في ظلّ الحرب الدائرة في جنوب لبنان.

    هذه الحرب لا تضرب الاقتصاد اللبناني بوصفه أرقامًا في تقارير، بل تضرب آخر ركائز بقائه: الثقة، والتحويلات، والقدرة على الاستيراد، واستقرار السوق، واحتمال الدعم الخارجي. لذلك لم يعد السؤال: كم سيخسر لبنان من النمو؟ بل: هل يستطيع الاقتصاد تحمّل حرب جديدة فيما هو لم يتعافَ من السابقة أصلًا؟

    المؤشرات كلها تقول إن لبنان دخل فعلًا مرحلة الحدّ من الخسائر لا مرحلة التعافي، وإن كل يوم إضافي من الحرب يرفع كلفة العودة إلى الاستقرار المالي والاجتماعي.