خاص - بنت جبيل أو عقدة الجبهة التي استعصت على الاختراق: قراءة عسكرية!

  • 13 April 2026
  • 20 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    تشهد جبهة بنت جبيل مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد محاولات قوات الاحتلال الإسرائيلي التوغل والسيطرة على ما تبقى من أحياء المدينة، وسط اشتباكات عنيفة مع حزب الله” تترافق مع قصف مدفعي مكثف يستهدف الأطراف والمداخل ومحيط عدد من القرى المجاورة.

    وفي هذا السياق الميداني المتسارع، تبرز معطيات متقاطعة تشير إلى عمليات إعادة تموضع تنفذها وحدات من الحزب على الأرض، ما يفتح المجال أمام قراءات متعددة لطبيعة هذه التحركات وأبعادها المحتملة، في ظل تطور متواصل في ديناميات المواجهة على هذه الجبهة.

    ويقول العميد المتقاعد الدكتور بهاء حسن حلال، حتى هذه اللحظة، تكشف الوقائع الميدانية عن عجزٍ واضح لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهدافها العملياتية في القطاع الأوسط–الغربي من جنوب لبنان، وتحديداً في نطاق بنت جبيل ومحيطها. هذا العجز لا يمكن تفسيره فقط بعامل المقاومة الميدانية، بل يرتبط أيضاً بإخفاقات في إدارة المحاور وسوء تقدير لطبيعة الجغرافيا العملياتية والبنية القتالية المقابلة.
    أولاً: فشل محاور التقدم الرئيسية
    على مستوى المناورة البرية، أخفقت القوات الإسرائيلية في تحقيق اختراق حاسم عبر محور (القوزح – وادي العيون – رشاف – حداثا)، حيث توقفت عند بلدة رشاف تحت ضغط ناري مستمر من المقاومة، ما أفقد هذا المحور قيمته كخط تقدم فعّال نحو العمق.
    بالتوازي، فشل محور (عيترون – وادي السكيكية – وادي السلوقي) في تحقيق هدفه العملياتي، وهو الوصول إلى وادي السلوقي، الأمر الذي منع العدو من تنفيذ واحدة من أهم غاياته التكتيكية: عزل بنت جبيل وبيئتها الجغرافية عن امتداداتها في القطاعين الغربي والأوسط. هذا الفشل يعني عملياً سقوط ركيزة أساسية من خطة “التطويق بالعزل”.
    ثانياً: التحول إلى تكتيك الحصار بدل الاختراق
    أمام تعثر التقدم المباشر، انتقل العدو إلى اعتماد تكتيك بديل قائم على الحصار متعدد الاتجاهات لمدينة بنت جبيل، عبر التموضع في محيطها من أربعة محاور رئيسية:
    الجهة الغربية–الجنوبية (دبل، عين إبل، رميش)
    الجهة الشمالية (صفّ الهوا: عيناتا، عيترون)
    الجهة الشرقية (يارون)
    الجهة الجنوبية الشرقية (مارون الراس)
    هذا التموضع يهدف، وفق العقيدة الإسرائيلية، إلى خلق بيئة عملياتية تعتبر المدينة “معزولة”، حتى دون السيطرة المباشرة عليها. إلا أن هذا التصور يصطدم، كما يقول العميد حلال، بواقع ميداني مختلف، حيث لا تزال خطوط الإمداد والاتصال للمقاومة تعمل، وإن تحت الضغط.
    ثالثاً: استثمار العامل الديموغرافي كأداة عملياتية
    أحد أبرز ملامح الأداء الإسرائيلي هو توظيف العامل الديموغرافي في اختيار محور الهجوم الرئيسي، والذي جاء من جهة (دبل – عين إبل). هذه المنطقة، من منظور إسرائيلي، تفتقر إلى بيئة حاضنة للمقاومة، ما يقلل من قدرة الأخيرة على المناورة والحشد الآمن، ويحد من خيارات الاشتباك المفتوح. هذا القرار يعكس فهماً إسرائيلياً بأن المعركة ليست فقط جغرافية، بل أيضاً اجتماعية–سياسية، حيث يمكن أن يتحول أي نشاط مقاوم في بيئات غير حاضنة إلى كلفة داخلية.
    رابعاً: النيران التمهيدية وعقيدة “فتح الطريق بالقوة”
    يعتمد العدو بشكل مكثف على القصف الجوي والمدفعي، بما في ذلك استخدام الذخائر الفوسفورية والطائرات المسيّرة، في إطار ما يُعرف بعقيدة “التمهيد الناري العميق”، بهدف:
    تدمير البنية الدفاعية
    إضعاف الإرادة القتالية
    فتح ممرات آمنة نسبياً للقوات البرية
    إلا أن هذه النيران، رغم كثافتها، لم تُترجم ، كما يؤكد العميد حلال، إلى إنجاز ميداني حاسم، ما يشير إلى فجوة بين التأثير الناري والقدرة على الاستغلال البري.
    خامساً: الفشل في السيطرة على مركز الثقل داخل المدينة
    رغم مرور وقت طويل وكثافة العمليات، لم تتمكن القوات الإسرائيلية، كما يشير العميد حلال من تحقيق أهدافها داخل مدينة بنت جبيل، وأبرزها:
    الوصول إلى قلب المدينة. السيطرة على رموزها المركزية (السوق، الملعب، المسجد الكبير، والمجمعات الحيوية)
    إنهاء الوجود القتالي للمقاومة. وهذا الفشل يعكس أن مركز الثقل (Center of Gravity) لا يزال بيد المقاومة، والتي تنجح في القتال من داخل النسيج العمراني، ما يحوّل المدينة إلى بيئة استنزاف مستمر.
    سادساً: تكتيك “الكرّ والفرّ” وفقدان التثبيت، حيث شهدت الأيام الماضية تكرار محاولات إسرائيلية للتثبيت في مداخل المدينة، خاصة من جهة صفّ الهوا، إلا أنها فشلت تحت ضغط نيران المقاومة، ما أجبرها على الانكفاء وإعادة المحاولة.
    هذا النمط يعكس، كما يقول العميد حلال غياب القدرة على: تثبيت خطوط تماس مستقرة. تحويل التقدم التكتيكي إلى إنجاز عملياتي دائم، وهو مؤشر كلاسيكي على فشل مرحلة الاستغلال (Exploitation Phase) في العمليات العسكرية.
    سابعاً: الأثر الاستراتيجي لتعثر معركة بنت جبيل
    تكمن أهمية بنت جبيل في بعدها الاستراتيجي، وليس فقط التكتيكي. فعدم سقوطها يعني كما يقول حلال، فشل ربط محاور التوغل عرضياً من الناقورة حتى القطاع الشرقي، تعذّر إنشاء شريط أمني متصل مشابه لما قبل عام 2000. بقاء التوغلات الإسرائيلية محدودة العمق (أقل من 10 كلم) وغير مترابطة. بمعنى آخر، بنت جبيل تمثل عقدة وصل، وسقوطها كان سيؤدي إلى تغيير جذري في شكل الجبهة.
    ثامناً: حالة الخيام – نموذج موازٍ للفشل العملياتي
    ينطبق المشهد ذاته على مدينة الخيام، حيث لم يتمكن العدو من: تجاوز المدينة شمالاً. قطع خطوط إمدادها (دبين – بلاط – البقاع الغربي). تثبيت سيطرة مستقرة داخلها، بل اضطر إلى تقليص قواته واللجوء إلى سياسة التدمير الممنهج للأبنية كبديل عن السيطرة الفعلية. هذا السلوك يعكس، بحسب العميد حلال، انتقالاً من هدف “الاحتلال” إلى هدف “الإنهاك”، وهو مؤشر إضافي على تعثر الخطة الأصلية.
    وعليه، فإن ما يجري في بنت جبيل والخيام يؤكد، كما يقول العميد حلال، أن إسرائيل انتقلت من عقيدة الحسم السريع إلى واقع الاستنزاف التدريجي. فشل الاختراق، وعجز التثبيت، واستمرار فعالية المقاومة، كلها عوامل تعيد تعريف طبيعة المعركة. ويمكن القول إن الميدان يفرض معادلته، فالسيطرة بالنار لا تعني السيطرة على الأرض، والحصار لا يغني عن الحسم، وعندما تفشل المناورة تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح، غالباً ما يكون مكلفاً للطرف الأكثر تقدماً.