لبنان بين التفاوض والسيادة: كيف نواكب التحوّلات من دون أن ندفع الثمن؟ (أنطوان قسطنطين)

  • 12 April 2026
  • 4 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    لم يعُد الشرق الأوسط كما كان. فالإقليم يشهد تحوّلاً متسارعاً في مقاربة الصراعات، حيث تتراجع المواجهة المفتوحة لمصلحة مسارات تفاوضية أكثر تعقيداً وتشابكاً. وصلت المقاربة الإبراهيمية إلى السقف المسدود وبرزت بعد حرب ضارية مفاوضات إسلام آباد كمؤشّر واضح على انتقال جزء من إدارة النزاعات إلى قنوات سياسية غير تقليدية، تجمع بين التفاوض غير المباشر وتداخل المسارات الإقليمية والدولية.

    هذا التحوّل لا يمكن قراءته كحدث ظرفي، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع في توازنات المنطقة. فالدول لم تعد تنظر إلى الصراع من زاوية عسكرية بحتة، بل باتت تقاربه كملف مركّب يتداخل فيه الأمني بالاقتصادي والسياسي. ومن هنا، تصبح القدرة على التكيّف مع هذه التحوّلات معياراً أساسياً لفعالية السياسات الوطنية.



    في هذا الإطار، يبرز السلام كخيار سياسي مشروط، لا كطرح نظري أو أخلاقي. فالسلام، متى استند إلى تفاهمات واضحة وضمانات متبادلة، يمكن أن يشكّل مدخلاً للاستقرار وتخفيف كلفة الصراعات الطويلة. لكنّه، في المقابل، ليس مساراً يُعتمد تحت الضغط أو كاستجابة تلقائية للمتغيرات، بل خيار يُقاس بمدى خدمته للمصلحة الوطنية.



    من هنا، يكتسب التفاوض موقعه الطبيعي كأداة من أدوات السياسة، لا كغاية بحد ذاته. هو وسيلة تُستخدم لتحقيق أهداف محدّدة، ويُفترض أن تُدار بتوقيت محسوب وضمن رؤية متكاملة. ولا يجوز استهلاكها تحت الضغط أو خارج سياقها.



    غير أنّ المخاطرة تكمن في الانزلاق إلى مقاربات قصوى. فالرفض المطلق لأي مسار تفاوضي يعزل الدول ويفقدها القدرة على التأثير، فيما يؤدّي الانخراط غير المدروس إلى تقديم تنازلات غير محسوبة. وبين هذين الخيارين، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة، تقوم على التدرّج، وتربط كل خطوة بحسابات دقيقة للمصالح.




    بالنسبة إلى لبنان، تبدو المعادلة أكثر حساسية. فهو لا يزال في حال عداء مع إسرائيل ، وفي الوقت نفسه يعاني هشاشة داخلية تجعل أي قرار استراتيجي غير توافقي عاملاً إضافياً للانقسام. كما أنّ تداخل المسارات، كما ظهر في مفاوضات إسلام آباد، يضع لبنان أمام تحدّي عدم فقدان زمام قراره في لعبة إقليمية أوسع.



    لذلك، لا يمكن التعامل مع ملف السلام أو التفاوض بمنطق الاستنساخ أو الاستجابة للضغوط. بل يجب أن ينطلق من خصوصية الواقع اللبناني، حيث يرتبط أي خيار بتوازنات داخلية دقيقة، وبحاجة إلى حدّ أقصى من التوافق الوطني . فالسلام، كما الحرب، لا يمكن أن يكون قرار فئة أو انعكاساً لإرادة خارجية فقط، بل هو قرار دولة يُتخذ ضمن مؤسساتها وبأكثرية مكوناتها السياسية .



    لكن في المقابل، لا يمكن تحويل هذه التعقيدات إلى ذريعة لتعليق النقاش. فالجمود السياسي لم يحمِ لبنان، بل ساهم في تعميق أزماته وتقليص هامش حركته. كما أنّ تجاهل التحوّلات الجارية، ومنها مسارات التفاوض الإقليمي، يضعه تدريجياً على هامش القرار.



    يبقى أنّ أي مسار تفاوضي لا يمكن أن يفرض معادلة مستدامة من دون معالجة جدّية للقضية الفلسطينية، التي تبقى أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة. ومن هنا، فإن مصلحة لبنان تقتضي التمسك بالمبادرة العربية رغم تجميدها، بالتوازي مع حماية توازنه الداخلي ورفض التوطين.



    في الخلاصة، لا يقف لبنان أمام خيار بسيط بين القبول أو الرفض، بل أمام كيفية إدارة مرحلة انتقالية دقيقة. المطلوب مقاربة سيادية متدرجة، تُحسن استخدام أدواتها، وفي مقدّمها التفاوض، من دون أن تتحوّل إلى رهينة لها. هكذا فقط يمكن للبنان أن يحجز موقعه في معادلة تتغيّر، من دون أن يفقد توازنه الداخلي أو سيادته.