-
بثينة عوض -
قبل نحو عام ونصف العام، لم يكن اختيار رواية "مريم الحكايا" للروائية اللبنانية علوية صبح مجرد فعل قراءة عابر. كانت أشبه ببوابة مفتوحة على زمن لا يشبه السرديات التقليدية للحرب. في تلك الصفحات، لم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل خلفية كثيفة لحياة يومية تتشبث بالبقاء، حب يولد تحت القصف، علاقات تنشأ في الملاجئ، وصداقات تختبر على حافة الموت.
هذا التناقض الصادم، بين العنف والرغبة في الحياة، أثار سؤالاً بدا بسيطاً في ظاهره: كيف يعيش الناس داخل الحرب؟ لكنه سرعان ما تحول إلى مشروع بحثي، ثم محاولة لكتابة عمل تلفزيوني يستكشف تلك العوالم المعتمة، خاصة عالم القتلة المأجورين الذين ازدهر حضورهم في بيروت خلال سنوات الحرب.
مجتمع الظل
في بيروت، لم يكن الوصول إلى هذا العالم سهلاً. فالمجموعات التي نشأت في ظل الحرب لا تزال، حتى اليوم، تعيش ضمن دوائر مغلقة. في أحد المقاهي، التي يُقال إن بعض هؤلاء كانوا يرتادونها، بدا المشهد أقرب إلى طقس جماعي غامض. رجال عاديون في ظاهرهم، لكنهم يحملون ذاكرة مشبعة بالعنف.
يقول أحد المطلعين على هذا الوسط إن "الانغلاق ليس خياراً، بل هو شرط بقاء". فهذه المجتمعات، التي تشكلت في زمن الفوضى، لم تعد تثق بالعالم الخارجي. ومن فرط التوتر المتراكم، يلجأ بعض أفرادها إلى طقوس بدائية لتفريغ العنف، كذبح الحيوانات، في مشهد يعكس علاقة مشوهة مع الحياة والموت.
لكن خلف هذا العنف الظاهر، كان هناك جانب آخر أقل وضوحاً: الاعتماد المتزايد على المهدئات.
"لوكستان"
في محاولة لفهم هذا الجانب، عاد المشروع إلى نقطة مفصلية في الرواية: الاستخدام الكثيف للمهدئات خلال الحرب. من هنا وُلد اسم العمل التلفزيوني المقترح: "لوكستان" نسبة إلى دواء مهدئ كان شائع الاستخدام في تلك الفترة.
لم يكن الاسم مجرد اختيار جمالي، بل مفتاحاً لفهم ظاهرة أوسع، وهي كيف تتحول الأدوية النفسية إلى “سلاح” يومي في مواجهة الخوف.
وبالرغم من اكتمال الفرضية الدرامية، اصطدم المشروع برفض شركات الإنتاج، التي رأت في الطرح حساسية مفرطة، فالتطرق إلى العلاقة بين الحرب والعنف وتعاطي المهدئات في الحرب الاهلية لا يزال منطقة رمادية في الذاكرة الجماعية.
لكن ما كان يبدو مادة سردية، تحول لاحقاً إلى تجربة مُعاشة. مع اندلاع الحرب في سوريا، لم تعد تلك التفاصيل خيالية، صار الواقع يعيد إنتاج المشاهد نفسها، بل وربما بشكل أكثر قسوة.
في إحدى الليالي، وتحت أصوات القذائف والانفجارات، وجدت نفسي مع مجموعة من الأصدقاء مجبرة على النوم في مقهى اعتدنا التردد عليه يومياً. لم يكن هناك ما يحمينا من القصف، سوى شعور جماعي بالإنهاك. في تلك اللحظة، أخرج أحد الاصدقاء ظرفًا صغيرًا من جيبه، وقال بلهجة تجمع بين المزاح والجدية: "سلاحنا معنا، لا تخافوا". كان الظرف يحتوي على أقراص "لوكستان".
لم يكن ابتلاع الحبوب ثم النوم وسط الحرب فعلاً هروبياً فحسب، بل محاولة للسيطرة على الخوف؛ كأن الجسد، حين يعجز عن احتمال الواقع، يلجأ إلى كيمياء تخدّر الوعي مؤقتاً.
سوق القلق المفتوح
بعد عقود من انتهاء الحرب الأهلية، يبدو أن لبنان لم يخرج تماماً من آثارها، بل إن الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة أعادت إنتاج حالة قلق جماعي، انعكست بشكل واضح على سوق الأدوية النفسية.
تشير تقارير صحية إلى ارتفاع ملحوظ في استهلاك المهدئات ومضادات الاكتئاب في لبنان خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الضغوط المعيشية وانعدام الاستقرار، هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بالحاجة الطبية، بل أيضاً بالشعور العام بعدم اليقين.
يقول زياد، وهو صاحب صيدلية في بيروت: "يزداد تهافت المواطنين على المهدئات وأدوية النوم بشكل كبير، الناس يعيشون حالة فوبيا حقيقية من المستقبل، وليس فقط من الحرب".
هذا التهافت لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى العائلات التي تحاول تخزين هذه الأدوية كإجراء احتياطياً. عباس يروي لـ"المدن" أنه سعى إلى جمع أكبر كمية ممكنة من المهدئات "تحسباً لأي طارئ".
ومع ارتفاع الطلب، تبدأ المشكلة الأكبر، أي نقص الأدوية. في فترات الأزمات، تختفي بعض الأصناف الأساسية من الصيدليات، خاصة تلك المرتبطة بعلاج القلق واضطرابات النوم.
في هذه اللحظة، تنشط السوق السوداء، حيث تُباع الأدوية بأسعار مضاعفة، وغالباً من دون رقابة طبية. وتشمل هذه الأدوية عقاقير تُستخدم لعلاج الصدمات النفسية، نوبات الهلع، والوسواس القهري، لكن الأخطر من ذلك، هو سوء الاستخدام.
وفق مختصين، تُصرف بعض الوصفات الطبية لتكفي شهراً كاملاً، لكنها تُستهلك خلال أيام قليلة. هذا الاستخدام المفرط لا يعكس فقط الحاجة، بل أيضاً فقدان السيطرة.
المشكلة لا تتوقف عند زمن الحرب نفسها، فالتجربة تشير إلى أن آثار المهدئات قد تستمر لعقود.
فادي يروي أن "هناك أشخاصاً بدأوا بتعاطي هذه الأدوية خلال الحرب في العام 1982، وما زالوا يعتمدون عليها حتى اليوم، بالرغم من أنهم تجاوزوا السبعين".
هذا الامتداد الزمني يكشف عن وجه آخر للحروب: الأثر النفسي طويل الأمد، فبينما يُعاد بناء المدن، تبقى النفوس عالقة في لحظة الانفجار الأولى.
في هذا السياق، لا تعود الحرب مجرد حدث ينتهي بتوقيع اتفاق أو وقف إطلاق نار، بل تتحول إلى حالة نفسية مستمرة، تعيد تشكيل سلوك الأفراد وعلاقتهم بالعالم.
والمهدئات، في هذا الإطار، ليست مجرد أدوية، إنها وسيلة للتكيف، وربما للهروب.
بين الحياة والمخدر
ما تكشفه هذه الحكايات، سواء في بيروت في ثمانينيات القرن الماضي أو في سوريا بعد 2011، وحرب لبنان حالياً، هو أن الحرب تدفع البشر إلى أقصى حدود التناقض. فهي على نحو مفارق تعزز الرغبة في الحياة، لكنها في الوقت نفسه تدفع نحو وسائل تخدير هذه الحياة.
في الملاجئ، وتحت القصف، لا يبحث الناس عن النجاة الجسدية فحسب، بل عن طريقة للاستمرار نفسياً، وهنا تصبح الحبة الصغيرة أحياناً أكثر تأثيراً من أي سلاح.
بين الرواية والواقع، تتقاطع الخيوط بشكل لافت. ما بدأ كقراءة أدبية، تحوّل إلى تحقيق يكشف عن ظاهرة معقدة: استخدام المهدئات كآلية للبقاء في زمن الحرب.
غير أن السؤال الأهم يبقى مفتوحاً: هل يمكن الخروج من هذا العالم بسهولة؟
التجارب تشير إلى العكس. فالحرب حين تدخل إلى الجسد لا تغادره بسهولة، والمهدئات، التي تبدأ كوسيلة مؤقتة للنجاة، قد تتحول إلى ملاذ دائم.
في النهاية، لا يكون الدمار المادي أخطر آثار الحرب، بل القلق المزمن، الذي لا يُرى. والاعتماد النفسي، والهروب الصامت إلى عالم كيميائي، قد لا يكون فيه طريق للعودة.
-