الدولة وحزب الله: من التباعد إلى المواجهة الباردة (غادة حلاوي- المدن)

  • 02 April 2026
  • 4 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    باستثناء وجود وزرائه في الحكومة، فالعلاقة بين الثنائي ورئاسة الجمهورية، ومع السلطة التنفيذية، مقطوعة. لا تراجع عن معالجة قرار طرد السفير الإيراني، وهو ما لا تنوي السلطة فعله، بدليل إعلان اليوم عن قبول رئيس الجمهورية جوزاف عون أوراق اعتماد سفراء الكويت وأستراليا وأذربيجان، من دون قبول أوراق اعتماد السفير الإيراني، ما يعني أن قضيته بقيت معلّقة، وعليه المغادرة أو أن تنتدب إيران بديلاً عنه.

    وبذلك تكون قد توسّعت دائرة المآخذ المتبادلة والهوّة الفاصلة بين الرئاسات، أو بين السلطة بركنيها وحزب الله.

    على عكس المفترض، وبدلاً من أن تُقرّب الحرب الإسرائيلية على لبنان وجهات النظر، صارت هي الأخرى سبباً للاختلاف. انقطعت خطوط الاتصال بين بعبدا وحزب الله، وبين بعبدا وعين التينة، فيما باتت علاقة الثنائي مع رئيس الحكومة معلّقة على وجود أربعة وزراء يتمسّك بوجودهم، لاعتقاده أن أوان فرط عقد الحكومة لم يحن بعد.

    لم يعد مفيداً البحث مع حزب الله في الصواريخ الستة التي أُطلقت باتجاه إسرائيل. صار الأمر من الماضي، والأهم الالتفات إلى الجبهة وما يُبنى عليها.

    أكثر من حرب الإسناد الماضية، يُبدي حزب الله ارتياحه للميدان والحرب التي يخوضها في مواجهة إسرائيل، لصدّ توغّلها وإجبارها على الانسحاب. حربه المصيرية قد تمتد أشهراً، والفارق بينها وبين الحرب الماضية يكمن في اختلاف القدرات والتكتيك العسكري. في الجنوب، يخوض حزب الله حرباً ضد احتلال يملك خططاً لحربه. لم تعد للخسائر في الأرواح الوقع ذاته كما في الماضي بالنسبة إلى إسرائيل، لكنها لا تزال تخشى حرب استنزاف طويلة الأمد.

    نقطة ضعفها الثانية أنها، عندما يوسّع الاحتلال نطاقه، يتحرّك على أرض ليست أرضه. وهي، وإن كانت تتّبع سياسة تدمير المنازل في مناطق توغّلها ضمن استراتيجية كشف كمائن حزب الله ومنع استخدام المنازل كسواتر، فإن سياسة الهدم نفسها قد تفيد المقاومين، وهم الأدرى بطبيعة القرى الجنوبية، ولا سيما تلك الواقعة على الحافة الأمامية. نتحدّث هنا عن قوة عسكرية ليست طارئة على أرضها، بل عن أبناء الأرض العارفين بخفاياها، وقد أعدّوا خططهم ليوم كهذا.

    لا يُسقط حزب الله من حساباته أن معركته مع إسرائيل قد تطول لأشهر، لكن السؤال: هل ستتمكّن إسرائيل من الصمود في حرب استنزاف طويلة الأمد؟ إنها حرب، إن لم ينتصر فيها حزب الله، فستكون حكماً لمصلحته ومصلحة البلد.



    دبلوماسية بلا جدوى

    في السياسة، يعيد حزب الله حساباته. حربه التي يخوضها لها مبرّراتها. وبغضّ النظر عن منطلقاتها والانقسام حولها، فإنها حرب كان لا بدّ منها لتحسين وضعيته، وهو الذي أفسح المجال لدبلوماسية لم تؤمّن حماية للبلد ولا لبيئته التي بقيت مستهدفة، وحصدت المزيد من عناصره، فضلاً عن استمرار التهجير. واقع استمرّ لأكثر من عام ونصف، التزم فيه حزب الله اتفاقاً من طرف واحد، فيما تواصلت الوعود بالمعالجة من دون نتيجة، وفشلت مساعي لبنان في تحقيق ذلك.

    في المقابل، تابعت السلطة مطالبتها بحصرية السلاح، واتخذت الحكومة قرارات لتطويقه، وهي مستمرة في الاستجابة للمطالب الدولية بالتضييق عليه وعلى بيئته اقتصادياً واجتماعياً، ولا سيما لجهة منع إعادة الإعمار. يتفرّغ حزب الله للميدان، وكل ما كان يعلنه عن التعافي كان بمثابة تحذير، فيما كان موضع تشكيك ممن اعتبره عاجزاً عن خوض حروب جديدة، وأن سلاحه لا يؤمّن حماية للبلد. إنها حرب تغيير المعادلات بالنسبة إليه وتصحيح المسار، ولا فرصة سانحة أكثر من الانخراط في الحرب على إيران ليكون طرفاً فاعلاً على طاولة الحل.

    في الحسابات السياسية الداخلية، لكل شيء أوانه. علاقته بالحكومة ورئيسها لم تعد سليمة، وإن كان نواف سلام يهادنه في اللقاءات التي تجمعه مع وزرائه. لكن هذه العلاقة لن تكون على ما يُرام بعدما انكسرت الجرة، إذ إن سلام ماضٍ في الامتثال لمطالب الدولة بحصار حزب الله، والخطوات التي اتخذتها الحكومة قد تتبعها قرارات مماثلة مستقبلاً. لم تستقم علاقة الثنائي بالحكومة. حتى العلاقة بين رئيسي السلطتين التشريعية والتنفيذية تشوبها ثغرات، أو تفتقد إلى الانسجام. ومع ذلك، لا قرار بالخروج منها بعد، ولم يحن وقت إسقاطها.

    أما العلاقة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون فتبدو أكثر مرونة، إذ إن الخلاف في المقاربات لم يُلغِ وجود ودّ، رغم العتب. مشكلة عون تكمن في التزاماته، وفي عدم قدرته على مواجهة الإملاءات الخارجية، رغم أن الخارج لم يمنحه نقاط قوة لعهدِه.



    دمار مريب وتدمير ممنهج

    يعيد الجنوب رسم مستقبل المنطقة، ربطاً بالحرب على إيران. دمار مريب وتدمير ممنهج للبلدات الجنوبية التي سُوِّيت منازلها بالأرض، إلى جانب حجم دمار هائل في الضاحية الجنوبية لبيروت. كلفة باهظة يستمر اللبنانيون في دفعها. ثأر جديد يسعى حزب الله إلى تحقيقه. البيئة التي يراها مشرّدة بلا حول ولا قوة، لا يمكن أن تنتهي الحرب بالنسبة إليها كما انتهت عام 2024.

    التعويض على البيئة يكون في مجالين: حق العودة إلى الموطن، وردّ الاعتبار. الأول مرتبط بالميدان، والثاني بما بعده. وإن وقع النصر، ففي الحالتين سيكون نصراً بكلفة باهظة.

    في الخلاصة، لم تعد الأزمة محصورة في تباينات سياسية، بل باتت تعبيراً عن تصادم مسارات: مسار دولة تسعى إلى تثبيت شروطها تحت ضغط الخارج، ومسار قوة ميدانية تعيد فرض موقعها عبر الحرب. بين هذين المسارين، يقف لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن تُعاد صياغة توازناته على قاعدة تفاهم داخلي جديد يواكب التحولات الإقليمية، وإما أن يستمر الانفصال بين السياسة والميدان، بما يحوّل كل انتصار عسكري إلى خسارة وطنية مؤجلة، وكل تسوية سياسية إلى هدنة هشة لا تعمّر طويلاً.