طرد السفير الإيراني: تمهيد لإصدار قرار بحظر الحزب؟

  • 27 March 2026
  • 18 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    عبدالله قمح - المدن

    من طهران إلى بيروت مروراً بعواصم إقليمية، يجري الإعداد لمرحلة ما بعد الحرب، بالرغم من أنَّ هذه الحرب لم تقترب بعد من نهايتها. وهناك "عدّة شغل" تُحضَّر في إيران ولبنان، والخليج ليس بعيداً عنها، وسط اعتقاد واسع بأن نتائج هذه الحرب ستخلف انعكاسات عميقة على المشهدين السياسي والأمني على مستوى الأقليم، تشمل تداعيات استراتيجية طويلة الأمد، سواء ادّعت إسرائيل والولايات المتحدة انتصارهما، أو خرجت إيران ومعها حزب الله ومحور المقاومة بإعلان النصر.

    إيران: حرب ما بعد الحرب

    في إيران، وفي ظل الحديث المتزايد في المنطقة عن تهيئة ظروف لمحادثات وقف إطلاق النار، تتعامل طهران بمنطق القوة النارية لا الدبلوماسية. ورداً على "نقاط ترامب الـ 15"، قدمت طهران خمس نقاط مقابلة مناقضة تماماً. بالموازاة، وسّعت طهران تصعيد القصف اليومي للعمق الإسرائيلي. وتقول بوضوح إنها اختارت "التفاوض بالنار"، رداً على خيار البيت الأبيض التفاوض تحت النار.

    القضية المركزية اليوم، بالنسبة للإيرانيين كما الأميركيين والإسرائيليين، تتمثل في "إخراج مناسب" للحرب. فصحيح أن مجرد تقديم نقاط للتفاوض تعني "نقل قدم" نحو توفر بنود لتسوية ما، لكن الصحيح أيضاً أن التعقيدات حول الحرب والمتحاربين ليست من النوع الذي يسهل تخطيه، وتكاد لا توفر إرادة سياسية تخدم فكرة وقف الحرب.

    من جانبهم، يتحدث الأميركيون عن وقف للحرب أشبه ما يكون بوقف لإطلاق النار، لكونهم يبحثون مع الإسرائيليين عن فرض شروطهم وإرساء نوع من إتفاق هجين يشبه تقريباً ما تم فرضه في لبنان بعد حرب أيلول 2024. في المقابل، تسعى طهران إلى إنهاء كامل للحرب، مع ضمانات تحول دون تكرار الهجوم مستقبلاً. أي أن إيران تبحث عن صيغة أقرب إلى معاهدة مشفوعة بضمانات. كما تسعى طهران إلى انتزاع التزامات في مرحلة ما بعد الحرب، تمنع واشنطن أو تل أبيب من التدخل في شؤونها الداخلية أو التلاعب داخلياً. ويبدو أن هذا المسار عاد إلى الواجهة، في ظل فشل إسرائيل في إسقاط النظام أو إضعافه جذرياً. بل إن طهران تعتقد أن مرحلة "إرهاق الداخل الإيراني" سياسياً وأمنياً واجتماعياً قد بدأت، كاستكمال لأهداف الحرب.

    في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إعلان نهاية الحرب باتفاق يمكن تسويقه كانتصار، وهو ما يلتقي مع رغبة بنيامين نتنياهو، وكذلك مع حاجة إيران نفسها إلى رواية انتصار. عملياً، قد يخرج الجميع "منتصرين". وعادة، تتوفر ظروف النصر لدى كل فريق أكثر من ظروف الحرب. لكن التحدي يكمن في تسويق هذا الانتصار وكيفية اقناع الداخل والخارج به.

    لبنان: تحضير مسرح ما بعد الحرب

    في لبنان، بدأ تجهيز المسرح السياسي لمرحلة ما بعد الحرب، بالرغم من أنَّ التقديرات تشير إلى أن الحديث عن هذه المرحلة لا يزال مبكراً. في المقابل، تواصل إسرائيل عدوانها، إذ ترفض ربط جبهة لبنان عسكرياً بجبهة إيران تحت عنوان "وحدة الساحات"، لكنها تربطهما في سياق إدارة المعركة وتحصيل النتائج.

    وخلال الأيام الماضية، شهدت جبهة الجنوب، ولا سيما في القطاع الشرقي، تسارعاً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية. ووفق الإعلام الإسرائيلي، دفعت القيادة الشمالية بخمس فرق عسكرية، تعمل ثلاث منها ميدانياً، مدعومة بألوية ووحدات نوعية مثل "إيغوز"، "غفعاتي" "ناحال"، و "غولاني" إضافة إلى وحدات من المظليين.

    تهدف هذه التوليفة إلى تسريع الأداء الميداني وفتح جبهات متعددة ضمن ساحة اشتباك واحدة. وقد تجلّى ذلك من خلال محاولات التسلل خلف الخطوط، كما حصل في بلدة القنطرة عبر محور الطيبة، وفي دير سريان من أكثر من اتجاه. ويعكس هذا السلوك محاولة إسرائيل تحقيق إنجاز ميداني سريع قبل أي وقف محتمل لإطلاق النار، لفرضه لاحقاً على طاولة التفاوض.

    في المقابل، رفع حزب الله من وتيرة عملياته الدفاعية والهجومية، ووسّع نطاق الاشتباك والقصف نحو العمق.

    الحزب يطلب الصمود

    داخلياً، صعّد الحزب من مواجهته السياسية مع العهد والحكومة. فقد أعلن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم موقفاً حاسماً أطاح عملياً بفكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، رابطاً المسار السياسي بالميدان العسكري، واعتبر أن الحزب يخوض معركة دفاع لا معركة هجومية. بالتوازي، عزّز الحزب ارتباطه بإيران، مؤكداً أن جبهة لبنان باتت جزءاً لا يتجزأ من جبهة طهران.

    وفي هذا الصدد، قال مصدر بارز لـِ "المدن" إنَّ الحزب أبلغ حلفاءه بضرورة الصمود. ووضع أمامهم بإيجاز بعض نتائج المواجهة ووضعية الحزب الميدانية. وطلب إليهم رفع مستوى الاعتراض على أي مسار تفاوضي يراد له أن يحصل تحت النار، وهو ما استثمره رئيس مجلس النواب نبيه بري لإخراج فكرة التفاوض المباشر الذي طرحه لبنان الرسمي من التداول حالياً، مع الإشارة إلى ضرورة استثمار نتائج الميدان قبل العودة إلى أي طاولة.

    التفاوض في موت سريري

    يمكن القول إن المسار التفاوضي اللبناني، كما طرحه رئيس الجمهورية جوزاف عون، قد عُلّق. حتى عون نفسه تراجع عن فكرة الدعوة إليه أو تسويقها، حرصاً على ما تبقى من ماء وجه للبنان الرسمي. كما بات واضحاً أن الطرف المقاتل على الأرض (أي حزب الله) ربط مصيره بإيران، في وقت تحاول الولايات المتحدة الفصل بين المسارين عبر الضغط العسكري، دون نجاح واضح حتى الآن. وواشنطن نفسها كانت تتعامل مع فكرة التفاوض كاستحقاق مؤجل، لا أولوية آنية له.

    في المقابل، لم تسقط محاولات إدراج لبنان ضمن أي مسار تفاوضي مطروح. فبينما انشغل وزير الخارجية يوسف رجي بمقارعة إيران من خلال طرد سفيرها في بيروت، لا وقف العدوان الإسرائيلي من خلال الإستعانة بمبادرة التفاوض الإقليمية والتواصل مع الإتراك والمصريين بصفتهم أساسيين ضمن المسار، برزت القاهرة كمبادر تلقائي، ساعية إلى إدخال لبنان في المسار، وهو ما يفسر زيارة وزير خارجيتها إلى بيروت وعرضه أفكاراً عملية.

    طرد السفير والإستفراد بالحزب

    في هذا الوقت، بدأت بعض القوى الداخلية المناهضة لحزب الله العمل على تحضير المسرح الداخلي استباقاً لنهاية الحرب. وتبرز هنا محاولات للضغط على الحزب في الداخل عبر ورقة النازحين المنتشرين على امتداد الأراضي اللبنانية. كما يستحضر البعض نهج حرب تموز 2006، من خلال التلويح بالتهجير، واستعادة مشهد "الباصات الخضر" التي طبعت عمليات التهجير خلال الحرب السورية، في محاولة لابتزاز الحزب.

    بالتوازي مع ذلك، يتصاعد التحشيد السياسي، إذ تعتبر قوى في السلطة نفسها الأكثرية في مواجهة الحزب، وتتعاطى على هذا الأساس، ساعيةً إلى الضغط عليه داخلياً وجرّه إلى مواجهة قاتلة، تتزامن مع المواجهة القائمة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، برز قرار وزير الخارجية بطرد السفير الإيراني من بيروت، والذي تبيّن أنه حظي بغطاء سياسي واسع من شخصيات بارزة في البلاد.

    ويأتي ذلك في وقت تتقاطع فيه مقاربات أميركية – إسرائيلية تعتبر أن بعض الدبلوماسيين الإيرانيين في لبنان لا تنطبق عليهم الصفة الدبلوماسية، ما قد يفتح الباب أمام استهدافهم أو استهداف السفارة الإيرانية.

    وبعيدًا عن المسائل التقنية، تأتي خطوة طرد السفير في سياق محاولة الفصل بين الحزب وإيران داخل لبنان، أو تجريد الحزب من الدعم والحضور الإيرانيين، وفصل المسار العسكري بين طهران والضاحية، والسعي إلى عزل الحزب ضمن مسار يتقاطع مع مشروع أوسع يهدف إلى فصله عن بيئته الطائفية، وعزل هذه البيئة بدورها عن التركيبة اللبنانية، بما يدفعه إلى إعادة توجيه أولوياته نحو مساحات أخرى.

    ويرتبط هذا التوجه ارتباطاً وثيقاً بمرحلة الإعداد لمسرح ما بعد الحرب. ويُفهم من التعليق الإسرائيلي الإيجابي على الخطوة اللبنانية، ومن ارتفاع أصوات قوى داخلية لم تعد تتردد في الدعوة إلى إنهاء العداء مع إسرائيل، أن ثمة محاولة واضحة لاستبدال التموضع اللبناني، واستبدال إيران بإسرائيل!

    في موازاة ذلك، يتصاعد الاشتباك السياسي داخل الساحة المسيحية، على خلفية تحديد المسؤوليات في قرار طرد السفير الإيراني، وهو ما يعكس أيضاً صراعاً على النفوذ داخل هذه الساحة. وتبرز "القوات اللبنانية" كطرف يسعى إلى تعزيز موقعه، سواء في مواجهة حزب الله أو في التنافس مع رئاسة الجمهورية التي نجحت معراب في جرها نحو إشتباك مع المكون الشيعي، وقامت بإحراجها علناً حين إختارت بعبدا التنصل، وهذا يأتي تمهيداً لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تطمح معراب إلى لعب دور محوري في تجميع القوى المناهضة للحزب.

    حظر حزب الله

    في هذا الإطار، قد ينزلق التنافس السياسي إلى مزايدات ذات طابع أمني. ويبرز في هذا الإتجاه كلام مصادر بارزة لـ"المدن" عن وجود توجه رسمي معين لطرح مسألة حظر حزب الله، كتنظيم سياسي أو عسكري، عبر صيغة قرار يشمل مختلف مؤسساته، بصرف النظر عن نتائج الحرب، أو حتى موقع الحزب في المعادلة الداخلية

    ويأتي طرح كهذا في سياق تمهيدي يتقاطع مع قرار طرد السفير الإيراني، ويستند إلى قرارات حكومية سابقة، وإلى تحميل الحزب مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في لبنان من دمار وخسائر بفعل إنغماسه في الحرب. ويحاول البعض التذرع بأن أي قرار جدي تجاه الحزب قد يحمي لبنان من خطوات أوسع قد تذهب إليها إسرائيل، وتشمل استهداف مؤسسات الدولة، تحت ذرائع مرتبطة بتلك المقاربة.