الواقع الحدودي بين لبنان وسوريا ودور دمشق المرتقب في لبنان - (النائب الدكتور أمل بو زيد)

  • 25 March 2026
  • 52 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    لم يعد ملف حزب الله شأناً لبنانياً صرفاً، بل تحوّل إلى قضية إقليمية تضغط مباشرة على سوريا، خاصة عبر إعادة تعريف دور الحدود بين البلدين. ومع تصاعد التوترات، تجد دمشق نفسها مضطرة للانخراط أمنياً رغم هشاشة وضعها الداخلي، ما يهدد بجرّها إلى صراع أوسع. ويُبرز النص تعقيد التداخل الحدودي وتشابك المصالح، محذّراً من أن أي خطأ قد يفجّر الوضع. في المقابل، يدعو إلى تحرّك لبناني استباقي لتفادي الانزلاق نحو مواجهة غير محسوبة.

    يؤثر لبنان على سوريا اليوم، لأن مستقبل حزب الله لم يعد مجرّد مسألة لبنانية فقط، بل تعدّاه ليصبح مسألة إقليمية ودولية. لسنوات، شكّلت الحدود اللبنانية–السورية جزءًا من هيكل أمني واحد، سمح لحزب الله بالتحرّك بحرية، وتسليح نفسه بانتظام، والاحتفاظ بالأسلحة في العمق الشرقي. فإذا كانت هناك محاولة إسرائيلية، معزَّزة بحسابات داخلية لبنانية، لإغلاق هذا الملف عسكريًا وسياسيًا، فهذا يعني عمليًا تغيير دور ووظيفة الحدود السورية. وبالتالي يصبح الضغط على سوريا ذا شقّين: الأول، أن تمنع إعادة فتح الممر الذي كان يربط لبنان بمناطقه الداخلية الشرقية؛ والثاني، أن تدير الامتداد المباشر للحرب، من الإغلاق المؤقت للمعابر إلى عودة النازحين السوريين الذين قرروا الرجوع إلى سوريا خوفًا من توسّع رقعة القتال على الأراضي اللبنانية.
    لذلك، حتى إن حاولت سوريا البقاء خارج المواجهة، فإن التطورات في لبنان تدفعها تدريجيًا نحو لعب دور أمني أكبر وأكثر بروزًا. أما المشكلة الحقيقية فتتمثّل في توسّع هذا الدور في وقت لا تزال فيه الدولة السورية الجديدة ضعيفة، ما يعني أن جهودها لاحتواء الصراع الإقليمي الضاغط ستكون صعبة وغير مريحة، وقد يجرّها ذلك إلى مزيد من المشاركة المباشرة في هذا الصراع.
    وعليه، فإن تأثير لبنان على سوريا لا يقتصر على الحدود أو المخاوف الأمنية المباشرة، بل يرتبط أيضًا بطبيعة السلطة الجديدة في دمشق وكيف تفهم مكانتها ودورها في المنطقة. فالسلطة السورية لا ترى حزب الله مجرد فاعل لبناني، بل كجزء من نظام إقليمي أوسع له امتداد سياسي–عسكري-شيعي يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان. وهذا بحدّ ذاته أمر بالغ الأهمية، لأنه، من وجهة نظر السلطة السورية الجديدة، يمنع عودة ظهور البيئة التي سمحت لحزب الله بالعمل في سوريا.

    المفارقة الكبرى تكمن في أن هذه السلطة تحاول القيام بذلك، بينما لا تزال في بداية طريقها للانتقال من سلطة فئوية إلى سلطة دولة. فهي، من جهة، تسعى إلى تقديم نفسها كدولة قادرة على احتكار العنف وفرض السيطرة على الحدود، مع علمها بأنها لا تزال تفتقر إلى المؤسسات المستقرة والهامش الاقتصادي والسياسي الواسع اللازم لإدارة هذا التحوّل. ولهذا السبب، قد تدفع التطورات في لبنان وسوريا نحو تدخل أعمق، ليس بالضرورة لأن سوريا تريد بدء المواجهة، بل لأن ضعفها يجعلها أكثر حساسية لأي خرق على طول الحدود، وأكثر عرضة للانجرار إلى منطق أمني وطائفي واسع يمتد من البقاع إلى حمص وصولًا إلى الساحل السوري.

    إن سعي سوريا إلى المراقبة والتواجد على الحدود اللبنانية–السورية يهدف إلى منع هذه الحدود من العودة إلى لعب دورها السابق كمساحة لنقل الأسلحة إلى حزب الله.
    وهي، من خلال ذلك، تحاول أن تظهر نفسها كسلطة قوية ومتماسكة، رغم عدم تمكنها بعد من تشكيل جهاز دولة محايد. لذلك، فإن وجودها العسكري المتزايد على الحدود المشتركة مع لبنان لا يُنظر إليه على أنه إجراء تقني بحت، بل هو إجراء محمّل بآثار سياسية واجتماعية وطائفية.

    ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن أي محاولة من الجانب السوري لفرض خط متشدد من السيادة على هذه الحدود ستواجه نظاماً بيئياً محليًا قائمًا على التداخل والاختراق المتبادل، لا على الانفصال. وأي خطأ في الممارسة أو الاحتكاك قد يؤدي إلى توتير مناطق داخلية، لأن هذه ليست مجرد حدود تفصل بين دولتين مستقلتين، بل مساحة واحدة تتداخل فيها الجغرافيا والأمن والهوية والمصالح المادية، انطلاقًا من شبكات محلية مترابطة.
    لذلك، وبناءً على ما تقدّم، يجب على الدولة اللبنانية تدارك هذه الأبعاد، والقيام باتصالات مع السلطة السورية لتفادي أي خطر قد يؤدي إلى اشتعال الوضع على الحدود بين البلدين، رغم أن حرية السلطة السورية قد تكون مقيّدة بأجندات خارجية تسعى إلى توريطها، انطلاقًا من دورها في وصول هذه السلطة إلى الحكم في دمشق.