تشويه المقدّس وتقديس العنف ... جان بو شعيا

  • 21 March 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • في تصريحٍ أثار موجةً واسعة من الاستنكار والغضب، خرج بنيامين نتنياهو بمقارنة صادمة بين السيّد المسيح وجنكيز خان، في محاولة لتبرير منطق القوّة والبطش بوصفه الطريق الأنجع لفرض “السلام”. هذه المقارنة لم تكن مجرّد زلّة لسان عابرة، بل تعكس عقلية سياسية مأزومة، تختزل التاريخ والإنسانية في ثنائية العنف والسيطرة، وتفرغ القيم الروحية من مضمونها الأخلاقي العميق.

    إن ّوضع شخصية روحية كالسيّد المسيح، التي تمثّل في الوعي الإنساني رمزاً للتسامح والمحبة والتضحية، إلى جانب قائد عسكري اشتهر بالفتوحات الدموية، ليس فقط خطأً تاريخياً، بل انحراف فكري خطير. فالمسيح لم يكن يوماً داعية حرب أو قهراً، بل حمل رسالة تقوم على الغفران ومواجهة الشر ّبالخير، بينما ارتبط اسم جنكيز خان بالإمبراطورية التي توسّعت عبر السيف والنار. الخلط بين النموذجَين يكشف عن محاولة مريبة لإعادة تعريف الأخلاق بما يخدم منطق القوّة المجرّدة.

    تصريحات نتنياهو تأتي في سياق سياسي معروف، حيث يتمّ تسويق العنف باعتباره ضرورة وجودية، وتُقدَّم السياسات العدوانية على أنّها وسائل دفاعية أو خطوات نحو “الاستقرار”. لكنّ الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي أنّ هذا الخطاب يشرعن القمع ويُضفي عليه غطاءً فلسفياً زائفاً. فعندما يُقال إنّ البطش هو الطريق إلى السلام، فإنّنا أمام قلبٍ صارخٍ للحقائق، لأنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يولَد من رحم الخوف أو الإكراه.

    الأخطر من ذلك أنّ مثل هذه التصريحات تساهم في تعميق الانقسامات الدينية والثقافية، وتستفزّ مشاعر الملايين حول العالم الذين يرون في السيّد المسيح، ابن الله، رمزاً مقدَّساً. إنّ استغلال الرموز الدينية في سياق سياسي عدواني لا يعكس قوّة، بل يكشف عن إفلاس أخلاقي ومحاولة يائسة لاكتساب شرعية مفقودة.

    في النهاية، ما قاله نتنياهو ليس مجرّد رأي سياسي يمكن الاختلاف معه، بل هو مؤشّر على نهج قائم على تبرير العنف وتطبيعه. وإذا كان التاريخ قد علّمنا شيئاً، فهو أنّ القوّة التي لا تُضبًَط بالقيم، تتحوّل إلى أداة دمار، وأنّ السلام الذي يُفرَض بالقوّة يظلّ هشّاً وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة. وبين رسالة المحبّة التي حملها المسيح، وإرث الحروب الذي ارتبط بجنكيز خان، يبقى الفارق واضحاً لكلّ من لم يفقد بوصلته الأخلاقية.