مقاربة سياسية متكاملة لباسيل وطرح مسارات بديلة - رندا شمعون

  • 19 March 2026
  • 14 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    خلال مقابلة على تلفزيون الغد، قدّم  رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل خطابًا سياسياً يتجاوز السجال التقليدي، واضعًا لبنان أمام ثلاثية المخاطر: الاحتلال الإسرائيلي، والاقتتال الداخلي، والتدخل الخارجي، في لحظة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.

    ينطلق باسيل من توصيف واضح لسياسة بنيامين نتنياهو، معتبراً أنها قائمة على إدامة الحرب كوسيلة للبقاء السياسي، لا كخيار أمني، في ظل رهانات انتخابية داخلية. وفي هذا السياق، يسقط مقولة “السلام بالقوة”، مؤكداً أن أي سلام لا يقوم على العدالة والحقوق هو مجرد استراحة مؤقتة لصراع مفتوح.
    لكن جوهر تَوصيفه لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى الداخل اللبناني، حيث يرفض باسيل بشكل صريح ربط لبنان بأي محور، سواء بإيران أو بغيرها، محذراً من إعادة إدخاله في لعبة “حروب الآخرين على أرضه”، وهي معادلة أثبتت كلفتها الباهظة من دون ضمان أي نتائج.
    وفي واحدة من أبرز نقاط خطابه، يقدّم باسيل معادلة “المسؤوليات الثلاث”:
    العدو الإسرائيلي بصفته المعتدي والمحتل،
    حزب الله بقراره الأحادي الذي جرّ لبنان إلى المواجهة،
    والسلطة السياسية بعجزها عن إدارة الأزمة وتقديمها وعودًا تفوق قدرتها على التنفيذ.
    هذه المعادلة لا تكتفي بتوزيع المسؤوليات، بل ترسم موقعًا سياسيًا يحاول الوقوف خارج الاصطفافات الحادة، من دون إعفاء أي طرف.
    وفي قراءته للميدان، يذهب باسيل إلى مقاربة واقعية حين ينفي إمكانية الحسم العسكري، سواء لإيران في مواجهة الولايات المتحدة أو لحزب الله في مواجهة إسرائيل، معتبرًا أن ما يتحقق هو “صمود”، لكن هذا الصمود، برأيه، سلاح ذو حدّين: إما أن يتحوّل إلى فرصة لتحرير الأرض والانضواء ضمن الدولة،
    أو يُستخدم لتكريس واقع يضعف الدولة ويقوّي منطقها الموازي.
    ومن هنا، يطرح واحدة من أكثر نقاطه حساسية، حين يعتبر أن الدور العسكري لحزب الله “انتهى”، في مقابل تشديده على رفض إلغائه سياسياً أو شعبياً، محذراً من أن أي محاولة شطب ستقود إلى فتنة داخلية. هذا التوازن بين رفض السلاح خارج الدولة ورفض الإلغاء، يعكس محاولة لتفادي الانفجار الداخلي، في لحظة شديدة الهشاشة.
    في المقابل، ينتقد باسيل السلطة ، إذ يتهمها برفع سقف التزاماتها تجاه الخارج من دون امتلاك القدرة على تنفيذها، ما أدى إلى فقدان المصداقية داخلياً وخارجياً، وترك الجيش من دون قرار سياسي واضح، في وقت يُطلب منه القيام بمهام تفوق إمكاناته.
    ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يفتح باب النقاش حول معادلة دفاعية جديدة للبنان، قد تشمل شراكات مع قوى دولية، في طرح يتجاوز مسألة حصر السلاح إلى البحث في بدائل استراتيجية لحماية البلاد، وهو ما يثير بطبيعة الحال أسئلة سيادية عميقة.
    أما في ما يتعلق بالمخاطر، فيحذّر باسيل من مسار يتجاوز المواجهة العسكرية، ليطال وحدة الأراضي اللبنانية، من خلال مشاريع فصل جنوب الليطاني، إلى أطماع إسرائيلية معلنة بالأرض، وصولاً إلى ما وصفه بالتطهير العرقي، في تأكيد على ضرورة بقاء جميع اللبنانيين في أرضهم من دون تمييز.
    وفي موازاة الخطر الخارجي، يرفع مستوى التحذير من الداخل، متحدثاً عن مشروع فتنة سنية–شيعية، ومشدداً على أن الاقتتال الداخلي هو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، مستعيداً معادلة تفضّل مواجهة الخارج على الانزلاق إلى الداخل.
    عربياً، يعيد تثبيت موقع لبنان ضمن محيطه، داعياً إلى التضامن مع دول الخليج ورفض أي اعتداء عليها، في مقابل انتقاده لغياب الدبلوماسية اللبنانية الفاعلة، متسائلاً عن دور الدولة في الدفاع عن حقوق لبنان على المستوى الدولي.
    وفي الشق الاستراتيجي، يلفت إلى أن الصراع في المنطقة لم يعد محصوراً بإيران أو إسرائيل، بل بات مرتبطاً بممرات الطاقة والتجارة العالمية، وصولاً إلى الصين، ما يعكس اتساع دائرة الاشتباك إلى مستوى دولي.

     ما يقدّمه باسيل  هو محاولة لبناء مقاربة سياسية متكاملة: تشخيص للمخاطر، توزيع للمسؤوليات، وطرح لمسارات بديلة. إلا أن هذا الطرح، رغم تماسكه النظري، يصطدم بتحديات جوهرية، أبرزها مدى استعداد القوى الداخلية، وعلى رأسها حزب الله، للانتقال من منطق القوة إلى منطق الدولة، وقدرة الدولة نفسها على استيعاب هذا التحول، في ظل توازنات داخلية وضغوط خارجية لا تزال تمسك بمفاتيح اللعبة.
    في المحصلة، لا يقدّم باسيل مجرد مواقف سياسية، بل يحاول رسم إطار لمرحلة ما بعد الحرب… حيث لا يكفي الصمود، بل يصبح السؤال: أي دولة نريد، وبأي شروط تُبنى؟