قصة الذهاب إلى التفاوض: من بيروت إلى نيقوسيا وباريس

  • 16 March 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    عبد الله قمح -

    كلّ الحراك السياسي الداخلي الجاري تحت عنوان الذهاب إلى التفاوض ينشط في وقت لم تُوجَّه فيه دعوة رسمية إلى لبنان للمشاركة، كما أن ساسة هذا البلد يختلفون على حسم هوية الأشخاص والطوائف الذين سيتولّون هذه المهمة. في المقابل، ينشغل المعنيان الرئيسيان بالتفاوض المفترض؛ أي حزب الله وإسرائيل، بإعداد مسرح العمليات الميدانية وخوض القتال الشرس في قرى الحافة. ويتقاطعان بالتصريحات الرسمية على فكرة عدم وجود خطط للتفاوض.

    مع ذلك، تبدو فكرة التفاوض لبنانياً شبه محسومة، وسط ترجيحات بأن تحصل المفاوضات بعد عيد الفطر مباشرة. ويجري الحديث عن مساعٍ راهنة للتوصل إلى هدنة خلال العيد.

    عملياً مسألة حصول المفاوضات اليوم أو غداً، ليست موضع النقاش الأساسي، ولا حتى مكان انعقادها. السؤال الحقيقي يتعلق بجدول الأعمال والأهداف والوضعية التي ستُعقد فيها، خصوصاً أن إسرائيل طلبت الموافقة على تعبئة 450 ألف جندي تحسباً لاحتمال شن عملية برية باتجاه لبنان.

    ما رفع من احتمال حصول التفاوض، أو وجود اتفاق ضمني يفسّر أسسه، هو كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمس، الذي فُسّر على أنه "نزول بالمظلة" على سقف التفاوض في لحظة ولادته، إذ قال إن "سبب تأخير وقف إطلاق النار يعود إلى إصرار طهران على أن يشمل لبنان أيضاً"، مضيفاً أن "الهدف من توسيع الحرب هو فرض وقف القتال على لبنان وحمايته من الاستفراد الإسرائيلي".

    لكن بالرغم من عدم وصول دعوة رسمية، كان النقاش يدور في بيروت حول شكل الوفد الذي سيخوض التفاوض، ومكان انعقاده، وجدول أعماله. ففي حين تواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون مع الرئيس القبرصي لإعادة تفعيل وساطته السابقة بين لبنان وإسرائيل، كان عون أيضاً يتواصل مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كي تتولى فرنسا رعاية مسار تفاوضي.

    ورغم أن ما قيل في بيروت كان يميل إلى تفضيل باريس أرضاً لاستضافة الجلسة الأولى – وهو الاحتمال المرجّح – إلا أن المسؤولين اللبنانيين اختاروا رمي حجرين في آن واحد: الأول في قبرص والثاني في فرنسا. وانتظار وا نضوج أيا من الحجرين لالتقاطه والسير به، طالما أن القرار لدى السلطة في لبنان هو الذهاب إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل.

    عملياً، تبيّن أن قصة التفاوض التي احتلت واجهة المشهد اللبناني كان منشؤها محلياً، وكانت صحيفة "المدن" أول من أعلن عنها. فقد بدأت عقب اتصال أجراه رئيس الجمهورية جوزاف عون بصديقه الرئيس القبرصي، واتفقا على أن تتولى نيقوسيا استئناف وساطتها السابقة التي بدأت وانتهت قبل نحو عام، تحت عنوان اتخاذ خطوات متبادلة ومتزامنة بين لبنان وإسرائيل.

    وقامت الفكرة آنذاك على أن تتخذ الدولة اللبنانية قرارات جدية بنزع سلاح الحزب وتبدأ بتنفيذها، مقابل انسحاب إسرائيل من بعض النقاط التي تحتلها وإطلاق عدد من الأسرى.

    ووفق المعلومات الحالية، وضعت قبرص كلاً من تل أبيب وواشنطن في صورة جهودها، ثم طلبت من الجانب اللبناني في المرحلة الثانية إعداد وفده للتفاوض. فتولى الرئيس عون، بالاشتراك مع رئيس الحكومة نواف سلام، تسمية ممثليهما، فيما عُهد إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري تسمية الممثل الشيعي.

    وبحسب مصدر مطلع، سمّى عون كلاً من سيمون كرم رئيساً للوفد، والباحث بول سالم معاوناً له. أما سلام فسمّى مديرة مكتبه السفيرة السابقة فرح الخطيب، وقيل أيضاً إنه سمّى الأمين العام لوزارة الخارجية عبد الساتر عيسى.

    وعُهد إلى الدروز تسمية ممثل عنهم، فطُرح اسم حليم بو فخر، كما قيل إن النائب السابق وليد جنبلاط سمّى السفير السابق في روسيا شوقي بو نصار.

    أما بالنسبة إلى الشيعة، فتولّى الرئيس بري التواصل مع حزب الله، فجاء قرار الحزب برفض تغطية مشاركة أي شخصية شيعية، ونصح بري بذلك. وقال الحزب إنه يرفض من حيث المبدأ فكرة التفاوض. وبذلك سقط الحضور الشيعي.

    وأبلغ بري، على طريقته، أن أي تعيين يجب أن يسبقه وقف لإطلاق النار وعودة النازحين وإطلاق تفاوض عبر "الميكانيزم". كما أبلغ عون بهذه الأجواء، مؤكداً أن تسمية أي شخصية شيعية ستكون مسؤولية رئيس الجمهورية. غير أن بعض الأوساط فهمت أن بري، في حال توفرت الشروط التي أعلنها، قد يسير داعماً لأي فكرة تفاوض.

    وتقول المعلومات إنه عندما سُلّمت أسماء الوفد إلى الجانب القبرصي رسمياً – ويقال إن شخصية أمنية قبرصية بارزة زارت بيروت وتسلمت الأسماء – سأل القبارصة، بعد مراجعة اللائحة، عن اسم الشخصية الشيعية. فأُبلغوا أن الشيعة رفضوا المشاركة. عندها ردّ القبارصة بأن مساعيهم متوقفة على تعيين شخصية شيعية، لأن الشيعة هم من يقاتلون إسرائيل، ولا يعقل أن يكونوا خارج التفاوض. بمعنى آخر، لا معنى لأي تفاوض من دون وجودهم.

    عملياً، يبدو الموقف القبرصي منطقياً. فكيف يمكن للدولة اللبنانية أن تفاوض إسرائيل فيما حزب الله، وهو الطرف الشيعي اللبناني، يقاتل في الجنوب ويتحكم بالميدان، ولا قدرة لأحد على منعه من القتال، فضلاً عن إعلانه رفض مبدأ التفاوض؟ وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق ما، فإن الدولة اللبنانية تبدو عاجزة عن تطبيقه، ببساطة لأنها ليست من يمسك الأرض.

    في المقابل، لا يبدو العدو الإسرائيلي جاداً في التفاوض، بل يسعى إلى إحراج السلطة في لبنان وإظهار الشرخ الداخلي بين اللبنانيين، واستثمار ذلك في زيادة عزلة حزب الله. وعلى طريقته، يحاول الإسرائيلي  التقاط صورة اعتراف عبر مصافحة أعضاء الوفد اللبناني، لتسويقها إعلامياً، كما فعل زمن مفاوضات الترسيم البحري في الناقورة عام 2022، إبان حادثة الخيمة الشهيرة.

    في موازاة ذلك، تستأنف إسرائيل تحضيراتها العسكرية. وخلال الساعات الماضية طلبت الحكومة الإسرائيلية تعبئة 450 ألف جندي. ميدانياً، تشمل التحضيرات تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي والتوغلات العسكرية، إلى جانب ضرب الجسور وقطع الطرقات أو منع حركة الشاحنات على طول الطريق الساحلي الممتد من بيروت إلى الجنوب، ما يُفسَّر على أنه إعداد لمسرح عملية عسكرية.

    ومع حلول زمن المفاوضات، يعني ذلك أن إسرائيل تسعى إلى تفاوض تحت النار وتعزيز الانقسامات اللبنانية.

    في المقابل، يبدو أن لبنان يقدّم أوراقه بالمجان، قبل أن تتضح وجهة الحرب أو يحقق الميدان أي إنجاز يمكن البناء عليه. وكأن السلطة السياسية في لبنان لا تريد الانتظار، بل تسعى إلى محاصرة الحزب سياسياً بموازاة الحصار العسكري. وإلا كيف يمكن تفسير ضغط رئاسة الجمهورية على الجانب القبرصي للمضي في وساطة استضافة التفاوض حتى ولو من دون تمثيل شيعي؟

    إذاً، يبدو أن الهدف من الذهاب إلى التفاوض هو التقاط الصورة فقط. لكن الرهان حتى على الإسرائيلي يبدو غير متوفر، إذ لا تبحث تل أبيب عن الصورة بقدر ما تبحث عن نتائج ميدانية، هدفها إنهاء شيء اسمه حزب الله.

    في المحصلة، كادت اندفاعة السياسة اللبنانية، وفق قراءة مصادر مطلعة، أن تأخذ لبنان، في لحظة حرب وبروز قوة حزب الله، إلى مسار سياسي معقد قد يُدخل البلاد في زواريب يصعب الخروج منها.