-
فاتن الحاج-
في ظهيرة يومٍ ثقيل، خرج أستاذا الكيمياء الفيزيائية في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، حسين بزي ومرتضى سرور، إلى باحة المجمع الجامعي في الحدث، لينشدا دفء الشمس ويتبادلا الأحاديث عن الطلاب والخطط المقبلة. كانا، منذ الصباح، منهمكيْن في التحضير لانطلاقة التعليم عن بعد في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضها العدوان الإسرائيلي. وفي لحظة استراحة قصيرة، اتصلا بزميل ثالث يسكن داخل المجمع لينضم إليهما ويكمل النقاش، لكن قبل أن يصل إليهما، دوّى الانفجار في الباحة، وتناقلت وسائل الإعلام صور دخان فوق مبنى كليّة العلوم. في لحظة خاطفة، تحوّلت هذه المسامرة الودّية بين أستاذين يستعدّان لاستئناف العام الدراسي إلى مشهد الوداع الأخير.
حسين بزي: مدير يسابق الوقت
يستذكر كثيرون في الكلية مسيرة المدير الشهيد، حسين بزي، منذ أيامه الأولى فيها. عرفه زملاؤه طالباً مندفعاً لخدمة من حوله، إذ كان مندوب الطلاب في صفه. تلك الروح التنظيمية رافقته لاحقاً حين عاد إلى الكلية أستاذاً، ثم مديراً للفرع الأول. تسلّم بزي إدارة الكلية في مرحلة صعبة أعقبت جائحة كوفيد-19، وما تلاها من أزمات. يومها، كان التحدّي الأكبر إعادة انتظام العمل الأكاديمي والإداري في مؤسسة مُثقلة بالأعباء. زملاؤه يقولون إنه لم يتعامل مع المنصب كإدارة روتينية، بل كمهمة يومية تستدعي حضوراً دائماً. كان يمضي معظم وقته في الحرم الجامعي، حتى إن بعضهم بات يمازحه بأنه «يكاد يعيش في الكلية». وفي مواسم الامتحانات كان يبقى في الإدارة لساعات طويلة، يتابع المعاملات ويحلّ المشكلات الطارئة.
يقول عميد الكلية، علي كنج، إن بزي كان يتابع أدقّ التفاصيل بنفسه. وقبل نحو ساعة واحدة من استشهاده، اتصل به ليبلغه بأن جميع المعاملات الإدارية أُنجزت، وأن الكلية باتت جاهزة لاستئناف العام الدراسي. كان، بحسب زملائه، يسابق الوقت لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات قبل انتهاء ولايته، كأنه يريد أن يترك أثراً واضحاً في المكان الذي أحبّه.
تصفه الأستاذة في كلية العلوم، جنان شعبان، بأنه «نموذج للأستاذ الجامعي المهني الذي لا يتأثّر بالأحكام المُسبقة ولا بضجيج السياسة». تقول إن «بزي كان يعمل دائماً وفق قناعته الأكاديمية وبحسّ عالٍ من المسؤولية، واضعاً المصلحة العامة فوق أي اعتبار». بالنسبة إليها، «لم يُدخِل بزي انتماءه السياسي في عمله الجامعي، ولم يميّز يوماً بين أستاذ وآخر أو بين طالب وآخر. في زمن الانقسامات الحادّة، ظلّ حريصاً على أن يبقى الأستاذ الجامعي مساحة جامعة للجميع». وتتوقّف شعبان عند المفارقة المؤلمة في استهداف مؤسسة تعليمية مدنية، متسائلة كيف يمكن أن يكون أهل العلم في دائرة الاستهداف، في حين أن الجامعة هي مكان للعلم والمعرفة وليست ساحة للحرب؟
مرتضى سرور: الأستاذ المحبوب
لم تكن علاقة بزي بالأستاذ الشهيد، مرتضى سرور، مجرّد علاقة عمل. كانا صديقيْن مقرّبيْن جمعتهما سنوات من التدريس والبحث والعمل في الكلية نفسها. سرور، أستاذ الكيمياء الفيزيائية أيضاً، عُرف بين زملائه بدماثة الخلق والهدوء الدائم، وبأنه صاحب ابتسامة لطيفة، وسريع الاستجابة لأي مهمة أكاديمية.
لكن أكثر ما يُجمِع عليه من عرفه هو علاقته بطلابه. كثيرون منهم يصفونه بالأستاذ القريب منهم، الذي يشرح بصبر ويمنح وقته بسخاء. لم يكن حضوره محصوراً في قاعة الدرس، كان يفتح بابه دائماً للنقاش العلمي أو لمساعدة طالب يواجه صعوبة في مادة مُعقّدة. يقول زملاؤه إن اسمه كان يتردّد دائماً في أحاديث الطلاب باعتباره من الأساتذة الذين يتركون أثراً إنسانياً قبل أن يكون أكاديمياً. وربما لهذا السبب بدت خسارته قاسية في عيون طلابه الذين اعتادوا رؤيته في الممرات والمختبرات.
رواية إسرائيلية مثيرة للجدل
في موازاة الحزن الذي عمّ الكلية، صدرت رواية من الجانب الإسرائيلي حاولت إعطاء تفسير مختلف لما جرى. فقد أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أن «سلاح الجو الإسرائيلي شنّ غارة في الجامعة اللبنانية، أسفرت عن مقتل مرتضى سرور»، واصفاً إياه بأنه «عنصر في الوحدة الجوية التابعة لحزب الله، وشخصية بارزة ومركز معرفة في تصنيع الوسائل القتالية داخل الحزب». غير أن هذه الرواية قوبلت بتشكيك واسع في أوساط الجامعة. فزملاء سرور وطلابه يؤكدون أن الرجل عُرف داخل الكلية كأستاذ متفرّغ للتدريس والبحث العلمي، وأن حضوره كان أكاديمياً وبحثياً بحتاً. فتحويل أستاذ جامعي إلى هدف عسكري داخل حرم مؤسسة تعليمية يطرح، بالنسبة إليهم، أسئلة خطيرة عن استهداف الجامعات وأهل العلم.
في المقابل، انتشرت أخبار وشائعات إعلامية ادّعت أن الأستاذين مختصان في فيزياء النانوتكنولوجيا ولديهما دوراً في برامج علمية متقدّمة ذات طابع تقني عسكري، إلا أن هذه الادّعاءات رُفضت على نطاق واسع، إذ يؤكد زملاؤهما وطلابهما أن تخصّصهما الحقيقي هو الكيمياء الفيزيائية، وأن حضورهما داخل الجامعة كان أكاديمياً وبحثياً بحتاً، بلا أي علاقة بالأنشطة العسكرية أو تطوير الأسلحة. وفي خطوة لافتة، نظّمت جامعة INP Bretagne الفرنسية دقيقة صمت على روح الشهيدين، تضامناً مع الأساتذة والطلاب، ورفضاً لتحويل الجامعة إلى هدف للاعتداء، في حين أنها مكان للمعرفة والسلام.
تمسّك الأستاذان برسالة المعرفة حتى النفس الأخير، مؤكديْن أن الإرهاب والعدوان لا يمكنهما كسر إرادة من يكرّسون حياتهم للعلم، وأن الجامعة ستواصل دورها في صناعة المعرفة ونشر الفكر الحر، لتؤكّد أن إرادة الإنسان في التعلّم والتدريس أقوى من أي اعتداء.
مرتضى سرور ابن العائلة المقاومة
مساء يوم الخميس، اعتدى جيش الاحتلال على حرم الجامعة اللبنانية، واغتال أستاذين على مدخل الكلية التي يدرّسان فيها، مدير كلية العلوم الدكتور حسين بزي وعضو الهيئة التعليمية الدكتور مرتضى سرور. وفي وقت لاحق من يوم الجمعة، خرج مهرج جيش العدو ليبرر أفعال أكثر آلة لا أخلاقية في العالم، وقال إنّ الشهيد مرتضى عضو في حزب الله ومسؤول في التصنيع العسكري.
لسنا هنا في معرض نفي أو تأكيد معلومات آلة القتل الإسرائيلية، إنّما يجب على العالم أن يعرف تاريخ الإرهاب الإسرائيلي مع عائلة مرتضى حسين سرور الصغيرة والكبيرة. هو أخ القائد الشهيد محمد سرور الذي اغتاله العدو في بداية حرب الـ66 يوماً، يوم 23 أيلول عام 2024، وهو ابن الشيخ حسين سرور، الذي اختطف عام 1982 إبّان الاجتياح من منزله في صور على أيدي استخبارات العدو لأنّه كان عضواً في «تجمع علماء جبل عامل» إلى جانب الشهيد الشيخ راغب حرب والسيدين محمد حسن الأمين وهاني فحص. وبعد اختطافه، ألقي في بئر في قرية مجدل سلم.
قصة العائلة المقاومة لم تبدأ لتنتهي عام 1982، فعمّ الشهيد سرور، علي استشهد عام 1972 بقذيفة إسرائيلية وابنه عبد العزيز على يده، بينما كان يقف على باب منزله في قرية عيتا الشعب، يومها لم يكن حزب الله قد وجد! وابن عم الشهيد سرور محمد علي اختطف عام 1979 في أثناء عودته من المدرسة في صور، وذبح، وألقي في بئر في بلدة مروحين، وعثر عليه بعد 6 أشهر متحللاً بلا رأس، واحتجز جيش الاحتلال رأسه عاماً كاملاً قبل السماح بدفنه.
هذا غيض من فيض الإرهاب الإسرائيلي في جنوب لبنان. ولو بحثنا أكثر لوجدنا آلاف القصص المشابهة، إن لم تكن أشد فظاعة. على الاحتلال أن يعرف أنّه خَلق قاتليه، وأنّ أبناء وطلاب مرتضى سرور سيعودون للمطالبة بدمه، وعندها لن ينفع المهرج تهريجه.
-