-
عقد التيار الوطني الحر لقاءً موسّعًا للمجلس الوطني تخلّله نقاش تنظيمي وسياسي، تحضيرًا للمؤتمر الذي تم تأجيل أعماله بسبب الظروف الإستثنائية. وقد تلت نائبة رئيس التيار للشؤون السياسية مارتين نجم كتيلي الورقة السياسية التي تضمّنت ما يلي:
مقدّمة
ينعقد المؤتمر الوطني الحادي عشر في لحظة إقليمية شديدة الخطورة تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، فيما يقف لبنان مجدداً عند خط زلازل جيوسياسية غير مسبوقة. فالحرب الإسرائيلية على لبنان وما تخلّفه من دمار وتهجير وخسائر بشرية واقتصادية، تتزامن مع الحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، بما يهدد بتحول المنطقة إلى ساحة صراع أوسع.
في مثل هذه اللحظات المصيرية، يتضاعف خطر تحويل لبنان مساحة مواجهة بالوكالة أو إلى ورقة في صراع المحاور الإقليمية والدولية، الأمر الذي يهدد بتفكك الدولة وتآكل مؤسساتها وبتعميق الانقسامات الداخلية. لذلك ليس النقاش في مستقبل لبنان ودوره وموقعه في العالم ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية الكيان ومنع انزلاقه إلى مصير الدول التي تكسّرت على خطوط الحروب الإقليمية.
تأتي هذه الورقة السياسية لتؤكد أن إنقاذ لبنان يبدأ بإعادة تثبيت فكرة الدولة، وبإطلاق مشروع وطني يعيد وصل السيادة بالإصلاح، ويمنع تكرار تحويل البلد منصة صراعات الآخرين. فلبنان لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن محيطه، لكنه أيضاً لا يستطيع الاستمرار إذا بقي ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إزاء ذلك، يجد التيار نفسه أمام لحظة مفصلية في عمله السياسي، وهو اختار لمؤتمره السنوي هذه السنة عنوان: دائماً، أبداً، لبنان.
أولاً: لبنان في العالم
1- رسالة السلام والحرية
لبنان ليس مجرد جغرافيا بل هو رسالة حياة تصون الحرية والعيش المشترك وتحترم التنوّع وترفض التطرّف والتقوقع. هذا الاختبار هو الذي اعطاه خصائصه الوطنية الجامعة التي نطلق عليها "اللبنانية".
ولأن الحرية قيمة تأسيسية للكيان اللبناني، لا يوفّر التيار الوطني الحر جهدًا لحمايتها، ويتمسّك بحرية القرار اللبناني، ويرفض كل ارتهان.
2- لبنان الوحدة والتنوع
واقع لبنان التعددي أورثه تنوّعاً ثقافياً ساهم بصوغ الشخصية اللبنانية الفريدة التي يلتزم التيار الوطني الحر حمايتها.
فالتنوّع هو ركيزة التجربة اللبنانية القائمة على الديموقراطية التشاركية. يتمسك التيار بالشراكة المتوازنة لحفظ وحدة الدولة.
3- التحييد والحياد
الحياد التام خيار يستوجب موافقة الخارج وقوننته دولياً، أما التحييد فهو البديل الواقعي الذي يتطلّب توافقاً داخلياً من دون أن يمس مقتضيات الانتماء العربي أو التخلي عن حق الدفاع المشروع، ويجنّب لبنان صراعات المحاور.
4- الحدود
ان وحدة الدولة اللبنانية وسيادتها على حدودها البرّية المعترف بها دولياً، إضافة إلى مياهها البحرية، غير قابلة للنقاش. وتبقى الـ 10452 كيلومترًا مربّعًا الثابتة التي لا جدل فيها.
5- الهوية والجذور
الهوية الوطنية اللبنانية خلاصة حضارات متراكمة ومتفاعلة منحت اللبنانيين قدرة الانفتاح وأهّلت لبنان ليكون مساحة حوار وتفاعل إيجابي في عالم تنتشر فيه العصبيات الدينية والإثنية والعرقية.
لذلك تشكّل علاقة لبنان مع محيطه رسالة سلام وتشارك وعيش مشترك.
ثانياً: السيادة والدولة
1- الدولة ومواردها
تكون استعادة الاستقرار بالتزام مبدأ واحد: لبنان فوق كل اعتبار، وقرار الدولة فوق كل أجندة. ولا يكون الخروج من الأزمات المتراكمة برهن مستقبل لبنان لارتباطات أو مغامرات، بل بإرادة لبنانية داخلية تعيد ثقة اللبنانيين والعالم بلبنان عبر دولة قوية تحصر القرار الأمني والدفاعي بها وتدير الموارد بفعالية (النفطية والمائية).
تستوجب تداعيات الحرب الإسرائيلية خطة طوارئ وطنية لإعادة الإعمار وعودة اللبنانيين المهجرين الى قراهم وتحمّل الدولة مسؤولياتها في الأمن والاستقرار وفي توفير الخدمات الأساسية.
2- الجيش وحصرية السلاح
تفترض التطورات خريطة طريق واضحة تبدأ برفض أي خيار قد يؤدّي إلى فرض أمر واقع من بين 3 خيارات كارثية: الاستسلام، الاقتتال الداخلي، والابتزاز الذي يخدم أجندات خارجية، وتفضي الى حلًّ يقوم على ثلاث ركائز سيادية:
• إنهاء الاحتلال وكل تداعياته، ووقف الاعتداءات، وتسليح الجيش.
• حصرية السلاح بيد الدولة من دون امتيازات لحامليه.
• مسؤولية الدولة عن حماية اللبنانيين.
3- منطق السلام
السلام تصنعه الدول ولكن تعيشه الشعوب، وأي مقاربة للعلاقة مع إسرائيل يجب أن تنطلق من تفاهم وطني تحكمه المصلحة اللبنانية العليا مع التمسك بالحقوق والسيادة الكاملة.
إن السلام، متى كان قائمًا على التفاهمات السياسية والضمانات الأمنية المتبادلة، يشكّل خيارًا عقلانيًا يخدم استقرار الدول وتنميتها، ويحدّ من استنزاف المجتمعات في صراعات طويلة الأمد.
إن الانتقال من منطق الصدام إلى منطق إدارة النزاعات بالوسائل السياسية هو مسار إيجابي بحد ذاته بوصفه محاولة لإنتاج إطار جديد للعلاقات الإقليمية، قائم على تقليل احتمالات الحرب وتعزيز التعاون.
لا يعني تبنّي منطق السلام تجاهل الواقع اللبناني الخاص. فلبنان:
• لا يزال في حالة حرب ونزاع قانوني وحدودي مع إسرائيل.
• يواجه هشاشة داخلية تجعل أي خيار استراتيجي غير توافقي عامل انقسام.
• يرتبط ملف السلام لديه بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة وبضرورة حل قضية اللاجئين والنازحين بما يعيدهم إلى ديارهم أو أي خيار آخر يرتؤونه خارج لبنان.
لذلك، إن مقاربة لبنان لمسارات السلام يجب أن تكون تدريجية، سيادية، وتوافقية، تنطلق من مصلحة لبنان أولًا، وينبغي أن تنبثق عن قرار وطني جامع يحكمه ميزان المصلحة اللبنانية العليا، ويُدار ضمن الأطر الدستورية. على أن هذا الإجماع، بما له من قيمة وطنية، لا يمكن أن يُستعمل ذريعة لتجميد مسار التطور الطبيعي في هذا الملف، حين تقتضي المصلحة الوطنية الانخراط المسؤول فيه.
ثالثاً: النظام
1- الدستور
نتمسّك بوثيقة الوفاق الوطني ودستور الطائف ونطالب باستكمال تطبيق بنوده الإصلاحية من دون استنسابية، وندعو إلى تطوير البنود التي عرقلت حسن سير العملية السياسية وإدارة البلاد.
2- اللامركزية والصندوق الائتماني
تشكّل اللامركزية الموسّعة أداة أساسية لتطوير نظامنا السياسي تحقيقاً للإنماء الشامل. كما يتبنى التيار مشروع "الصندوق الائتماني" الذي يتولى إدارة أصول الدولة واستثمارها بطريقة شفافة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويؤمّن مداخيل للدولة إضافة إلى توفير الخدمات اللازمة للمواطنين، كما يساهم في إعادة أموال المودعين.
3- المناصفة التشاركية
المناصفة التشاركية هي ضمانة التوازن الميثاقي ومنع منطق الغلبة، وأي قانون انتخابي جديد يطرحه البعض لن يكون إلّا باتجاه قانون خارج القيد الطائفي مع علمنة شاملة، أو باعتماد صيغة تضمن انتخاب كل مكوّن لممثليه. فالشراكة ضمانة الوحدة.
رابعاً: الوجود والدور
1- الحفاظ على الوجود والحقوق
معادلة التيار واضحة وهي جوهر مشروعه السياسي: لا دولة في لبنان بلا شراكة، ولا وجود بلا هوية جامعة، ولا دور بلا سيادة فعلية.
إنّ وحدة الدولة لا تتناقض مع تنوّع مكوناتها، فالتنوع ليس عبئًا، بل هو علّة وجود لبنان. أمّا الخطر فيكمن في فشل إدارة هذا التنوّع وضرب التوازن سواء بالعدد أو بالسلاح أو بالامتيازات. وحدة الدولة تحمي التنوّع وتمنع التفكك.
2- الدور والأداء
حماية دور لبنان تكون من خلال:
• مواجهة الأخطار الوجودية الخارجية عبر الاتفاق على سياسة دفاعية وإعادة بناء علاقة متوازنة مع سوريا لمعالجة ملفات النزوح، وضبط الحدود، والتعاون الاقتصادي بعيدًا من منطق الوصاية أو القطيعة.
• مواجهة الأخطار الوجودية الداخلية عبر إسقاط منظومة السلطة الطائفية العميقة التي تستثمر في الخوف وتعطّل الإصلاح وتمنع قيام الدولة.
بات تقديم لبنان حصرًا كمقدّم خدمات، أمرًا غير مجدٍ. لم تعد المستشفى والجامعة والمدرسة امتيازاً لبنانياً. وتراجع دور المرفأ والمصرف والمطبعة بصيغتها التقليدية. لذا المطلوب صيغة حديثة لاقتصاد يقوم على تشجيع القطاعات الانتاجية وتعزيز اقتصاد المعرفة والابتكار المولّد لفرص عمل عالية القيمة تحدّ هجرة الأدمغة والشباب.
3- التوازن والديموغرافيا
التوازن عنصر استقرار للبنان، وأي اختلال قسري فيه بفعل التوطين أو التجنيس يهدد وحدة الدولة. المطلوب سياسة وطنية تحمي التوازن وتقوم على الإفادة من الإنتشار وقدراته عبر إعطائه حقوقه في السياسة والجنسية والاقتصاد والاستثمار.
خامساً: الهوية
1- الانتشار
المنتشرون اللبنانيون هم أكثر من نصف لبنان وهم ثروته في العالم، وواجبٌ إشراكهم بدل إبعادهم، وتسهيل أعمالهم في كل مجالات الحياة وخاصة في القرار السياسي عبر تكريس حقوقهم في الانتخاب والتمثيل المباشر والترشح.
2- الجنسية
يشدد التيار على الأهمية الاستراتيجية لحق استعادة الجنسية للبنانيين المنتشرين في أصقاع العالم كإحدى وسائل حفظ التوازن. وقد تقدّم التيار باقتراح قانون جديد مطلوب إقراره.
3- النازحون واللاجئون
النزوح السوري هو خطر وجودي ومطلوب عودة النازحين فوراً ضمن خطة تمتدّ على ستة أشهر قدّمها التيار من خلال اقتراح قانون الى مجلس النواب يتطلّب إقراره.
يرفض التيار التوطين الفلسطيني، ويطالب بعودة الفلسطينيين الى بلدهم أو حيث يرغبون.
سادساً: الاقتصاد والمال
1- أيّ اقتصاد نريد؟
نريد اقتصاداً إنتاجياً تصديرياً تنافسياً بديلاً من نموذج اقتصاد المضاربات. اقتصاد يربط معالجة الدَيْن واستعادة الودائع بالنمو والاستثمار، ويولّد فرص عمل ضمن خطة تعافٍ شاملة وشفافة بإشراك المنتشرين من خلال قوانين خاصة بهم.
إن إعداد خطة استراتيجية، تشمل قطاع النفط والغاز، وتنفيذها بشفافية مع ضمانات قانونية، يعيد الثقة تدريجياً، ويضخ السيولة في النظام المصرفي. بذلك يتحوّل استرداد الودائع من عبء وأزمة مستعصية إلى رافعة للنمو والاستقرار.
2- النظام المصرفي والمودعون
يكون حل أزمة الودائع ضمن خطة متكاملة ومقاربة متدرجة تراعي العدالة، تبدأ باستكمال التدقيق الجنائي بشفافية وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين، بحيث يتحمّل رأس المال والمساهمون والمستفيدون الكبار الأعباء قبل المودعين. أمّا الأدوات فتشمل:
• استعادة الأموال المنهوبة وتلك المحوّلة إلى الخارج.
• إجراءات ضريبية عادلة.
• خيارًا طوعيًّا لتحويل الودائع إلى أسهم عند إعادة هيكلة المصارف.
• تفعيل الصندوق الائتماني لإدارة الأصول.
• استخدامًا مدروسًا للذهب بما يحفظ قيمته ضمن ضوابط سيادية.
3- مالية الدولة والقطاع العام
بات ملزمًا أن تتموضع الدولة بحيث تنتقل من دورها السابق كحامٍ للاحتكارات الى منظّم وحامٍ للشبكات الاجتماعية، إلى جانب إعادة هيكلة الدين ضمن استراتيجية شاملة تحافظ على الاستقرار النقدي وتمنع التضخم.
سابعاً: نمط الحياة
أثارت الأزمات المتراكمة في لبنان الشكوك في جدوى العيش المشترك. المطلوب عقد اجتماعي جديد يترافق مع اصلاح سياسي واقتصادي يعيد الثقة بالنموذج اللبناني ويجعله قابلاً للحياة على أساس التنوّع الثقافي والديني بروح الانفتاح وقبول الآخر.
نريد الحفاظ على نمط الحياة القائم على الحرية والتنوع والانفتاح وروح المبادرة والريادة.
1- الشباب
قام التيار على عنصر الشباب لنشر مبادئ الحرية والسيادة والاستقلال وانتفض على الميليشيات والاحتلالات والوصايات وتمسّك بالشرعية.
نجح الخصوم في تشويه صورة التيار، وعملوا على استقطاب الشباب عبر خطابٍ طائفيٍّ تحريضي يغذّي الغريزة والخوف من الآخر، وعبر مغرياتٍ ماديةٍ، في مقابل تمسّكنا بخطاب عقلاني وجودي للتيار يحمي الشباب من الكراهية والتحريض، وإن يصعب تسويقه.
نلتزم توسيع دور الشباب وتمكينهم وانخراطهم ومشاركتهم كقيمة مضافة في العمل الحزبي والوطني.
2- المرأة
إن مشاركة المرأة في العمل السياسي ضرورية لرفع نسبة الإنتاجية والشفافية مما ينعكس نجاحاً في الشأن العام. لذا يتوجّب تكثيف مشاركة المرأة في المراكز القيادية والعمل على إزالة العوائق أمام تعزيز دورها في السياسة.
3- المجتمع والعائلة وحب الحياة
العائلة هي الخلية الأساسية للمجتمع. هي محور الحياة وميزة نمط العيش اللبناني، وهي نواة مجتمعنا وحاضنة قِيَمه وركن ثقافته. هي المرجعية والبوصلة والملجأ. هي المدرسة الأولى لتنشئة الشباب على فكرٍ وطنيٍّ حرٍّ.
اللبنانيون يتمسّكون بحب الحياة رغم الضغوط، وهذه طاقة يجب صونها.
غايتنا مواصلة حماية العائلة اللبنانية لِما ينعكس إيجاباً على "العيش معاً" و"حب الحياة" بكل النواحي.
الخاتمة
إن المخاطر التي يواجهها لبنان اليوم ليست ظرفية أو عابرة. فالحرب الإسرائيلية، واحتمالات توسع الصراع الأميركي - الإيراني، والانقسامات الداخلية العميقة، كلها عوامل تجعل مستقبل لبنان مهدداً إذا لم تتوافر إرادة وطنية جامعة تعيد الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها.
إن حماية لبنان لا تتحقق بالشعارات ولا بالاصطفافات في محاور الخارج، بل ببناء دولة قادرة على حماية شعبها وحدودها، وصون وحدتها الداخلية، وإدارة تنوعها باعتباره مصدر قوة لا سبباً للتفكك. فلبنان لا يمكن أن يبقى قابلاً للحياة إلا إذا استعاد قراره الوطني الحر، ونجح في تحييد نفسه عن صراعات الآخرين مع الحفاظ على حقه في الدفاع عن سيادته وأرضه.
من هنا، تُشكّل هذه الوثيقة دعوة إلى إعادة إطلاق مشروع الدولة اللبنانية على أسس واضحة: سيادة فعلية، شراكة متوازنة، اقتصاد منتج، ونظام سياسي قادر على إدارة التنوع بدل أن يتحول إلى ساحة صراع دائم. فالمعادلة اليوم بسيطة بقدر ما هي مصيرية: إما دولة تجمع اللبنانيين وتحميهم في زمن العواصف، وإما استمرار الانكشاف الذي يهدد الكيان نفسه.
لذلك يبقى الخيار الذي ندعو إليه واضحاً:
حماية لبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه، دولةً سيدةً حرةً مستقلّة وموحدةً قادرةً على الصمود في وجه الحروب والتقلّبات، وصون رسالته كمساحة حرية وتعدّد في شرق يزداد اضطراباً.
-