دم كاهن القليعة بين العدوان الإسرائيلي والاستثمار السياسي… من يشعل الفتنة؟ رندا شمعون

  • 10 March 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    لم يكن استشهاد كاهن رعية القليعة الأب بيار الراعي حدثاً عادياً في سياق الحرب الدائرة على الجنوب. فالكاهن الذي رفض مغادرة بلدته وبقي مع أهلها في وجه التهديدات الإسرائيلية، سقط بقذيفة دبابة إسرائيلية استهدفت منزلاً في البلدة الحدودية، في مشهد هزّ وجدان اللبنانيين جميعاً. لكن ما هزّ المشهد السياسي أكثر، لم يكن العدوان نفسه، بل السرعة التي تحوّل فيها دم الكاهن إلى مادة استثمار سياسي في الداخل.
    فالقصف الإسرائيلي الذي أدى إلى استشهاده جاء ضمن موجة عمليات عسكرية واسعة في الجنوب، حيث تتوسع المواجهة بين إسرائيل ولبنان وسط تهديدات بالإخلاء وتقدم عسكري داخل بعض القرى الحدودية. 
    لكن ما كشفه المشهد السياسي اللبناني بعد الحادثة، أن الانقسام الداخلي بات لا يقل خطورة عن الحرب نفسها.

    بدل أن يتحول استشهاد الأب الراعي إلى لحظة تضامن وطني في مواجهة العدوان الإسرائيلي، سارعت بعض القوى السياسية إلى استثماره في خطاب سياسي مباشر ضد المقاومة.
    فقد اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن ما حصل في القليعة سببه “تسلل عناصر من حزب الله إلى البلدة ما أدى إلى الغارات الإسرائيلية واستشهاد الكاهن 
    هذا الخطاب يطرح إشكالية خطيرة:
    فبدل توجيه الاتهام إلى الجهة التي أطلقت القذيفة – أي الجيش الإسرائيلي – جرى تحويل النقاش فوراً إلى الداخل اللبناني، وكأن المسؤولية الأولى تقع على طرف لبناني لا على المعتدي.
    وهنا تكمن خطورة هذا الطرح، لأنه ينقل الصراع من مواجهة مع عدو خارجي إلى نزاع سياسي وطائفي داخلي.
    فاستشهاد رجل دين مسيحي في قرية جنوبية مسيحية يتحول، في هذا السياق، إلى مادة تعبئة سياسية تهدف إلى تكريس سردية محددة:
    أن القرى المسيحية تدفع ثمن وجود المقاومة.
    وهي مقاربة تتجاهل حقيقة تاريخية وجغرافية:
    الجنوب اللبناني – بكل طوائفه – كان دائماً ساحة مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

    لم يتوقف الخطاب عند تحميل المقاومة المسؤولية، بل امتد إلى الضغط على الجيش اللبناني وقيادته.
    ففي الأيام الأخيرة تصاعدت الحملات الإعلامية والسياسية التي تتهم الجيش بالتقصير في منع أي نشاط مسلح خارج الدولة في الجنوب.
    لكن السؤال الحقيقي هنا ليس أمنياً بل سياسياً:
    هل الهدف تعزيز دور الجيش أم دفعه إلى مواجهة مباشرة مع المقاومة؟
    فإقحام الجيش في صراع داخلي من هذا النوع يضع المؤسسة العسكرية أمام أخطر معادلة ممكنة:
    إما مواجهة حزب الله داخلياً، أو اتهامها بالتواطؤ.
    وهذه المعادلة هي بالضبط ما سعت إليه إسرائيل مراراً في تاريخ الصراع اللبناني:
    تحويل المواجهة من صراع مع الاحتلال إلى صراع داخلي بين اللبنانيين.

    بالتزامن مع هذا التصعيد السياسي، جاء قرار التمديد لمجلس النواب لمدة سنتين إضافيتين، قرار أثار جدلاً واسعاً في لبنان.
    التمديد في ذاته ليس مجرد إجراء تقني في ظل الحرب، بل يحمل أبعاداً سياسية واضحة.
    فهو عملياً:
    يثبّت التوازنات السياسية الحالية في البرلمان
    ، يضمن استمرار الحكومة الحالية
    و يمنع أي تغيير سياسي في لحظة إقليمية حساسة
    وهنا تبرز فرضية يتداولها كثير من المراقبين:
    أن التمديد يندرج ضمن إدارة دولية للمرحلة اللبنانية، حيث تسعى العواصم الغربية إلى الحفاظ على الاستقرار السياسي الحالي في لبنان، بالتوازي مع الضغط لنزع سلاح حزب الله.
    أي أن المعركة السياسية الدائرة في الداخل ليست منفصلة عن الصراع الإقليمي، بل جزء منه.

    بين هذه الصراعات السياسية الداخلية، تتقدم إسرائيل ميدانياً.
    فالجيش الإسرائيلي وسّع عملياته العسكرية داخل الجنوب، مع حديث واضح عن إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني. 
    كما أصدرت تل أبيب أوامر إخلاء واسعة لمناطق لبنانية حدودية، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين. 
    في ظل هذه التطورات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
    كيف يمكن للبنان أن يواجه التوسع الإسرائيلي بينما ينقسم داخلياً حول تعريف الخطر نفسه؟
    فالدولة التي تنقسم حول كيفية الدفاع عن نفسها تصبح عاجزة عن مواجهة أي عدوان.

    استشهاد الأب بيار الراعي هو لحظة تختبر صدقية الخطاب الوطني لدى الجميع. فالكاهن الذي بقي في بلدته إلى جانب أهلها حتى اللحظة الأخيرة لم يسقط في معركة سياسية داخلية، بل بقذيفة إسرائيلية أصابت قرية لبنانية.
    لكن الأخطر من العدوان الإسرائيلي نفسه هو المسار الذي تحاول بعض القوى السياسية دفع البلاد إليه. فبدل أن تتحول المأساة إلى لحظة وعي وطني، يجري استثمارها لإعادة إشعال الانقسام الطائفي، ولإقحام الجيش في مواجهة داخلية، ولتحويل النقاش من العدوان الإسرائيلي إلى صراع لبناني – لبناني.
    إن القوى السياسية  التي تندفع في هذا الاتجاه مطالبة اليوم قبل غيرها بالتوقف أمام خطورة ما تفعله. فالتاريخ القريب علّم اللبنانيين درساً قاسياً: كل مرة انجرف فيها الخطاب الطائفي إلى حدّ شيطنة مكوّن لبناني آخر، كانت النتيجة إضعاف الدولة وفتح الباب أمام تدخلات الخارج.
    لبنان اليوم لا يقف فقط على خط مواجهة مع إسرائيل، بل أيضاً على حافة انقسام داخلي جديد. وأي خطاب سياسي يدفع الجيش إلى مواجهة مع جزء من اللبنانيين، أو يحوّل دماء الشهداء إلى منصة تعبئة طائفية، إنما يلعب بالنار في بلد يعرف جيداً ثمن هذه المغامرات.
    قد يحقق هذا الخطاب مكاسب شعبوية سريعة، وقد يثير التصفيق في لحظة انفعال، لكنه في النهاية يقود البلاد إلى طريق يعرف اللبنانيون جميعاً أين ينتهي: دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، وعدو يستثمر هذا الانقسام ليكرّس وقائعه على الأرض.
    لهذا فإن استشهاد كاهن القليعة يجب أن يكون جرس إنذار لا مادة تحريض. لأن السؤال الذي سيحكم على الجميع في نهاية هذه المرحلة ليس من انتصر في  السياسة ، بل من حافظ على وحدة البلد في زمن الخطر… ومن دفعه مرة أخرى نحو المجهول.
    _رندا شمعون _