حروب الشرق الأوسط والممرات الكبرى: مَن يكتب الجغرافيا الاقتصادية الجديدة؟ (أنطوان قسطنطين)

  • 10 March 2026
  • 11 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    الجمهورية - 

    تبدو الصين شبه صامتة حيال المواجهة المتنامية بين الولايات المتحدة وإيران، على رغم من أنّ إيران تُعدّ أحد مصادر الطاقة المهمّة للاقتصاد الصيني. في الواقع، هذا الصمت لا يعكس حياداً سلبياً بقدر ما يعكس تموضعاً استراتيجياً محسوباً. فبكين تقرأ التحوُّلات الدولية من زاوية مستقبلها. وبينما تنخرط واشنطن في إدارة صراعات مكلفة، تواصل الصين بناء شبكة نفوذ اقتصادي وبنيوي عابر للقارات، قد يشكّل إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الذي يتشكّل تدريجياً.

    منذ أكثر من عقد، تعمل الصين على توسيع حضورها العالمي عبر مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع ضخم يربط عشرات الدول بسلسلة واسعة من الموانئ والسكك الحديد والطرق السريعة وشبكات الطاقة والاتصالات والبنى الرقمية. هذه المبادرة لا تهدف فقط إلى تعزيز التجارة، بل إلى إعادة رسم خرائط الترابط الاقتصادي العالمي.

    تزامن التوسع الصيني مع مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تنفق تريليونات الدولارات في حروب طويلة في العراق وأفغانستان. وبينما استنزفت تلك الحروب الموارد الأميركية وأغرقت واشنطن في إدارة أزمات متلاحقة، كانت بكين تستثمر بهدوء في البنية التحتية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

    ففي إفريقيا تحديداً، تحوّلت الصين خلال عقدَين إلى أحد أبرز الشركاء الاقتصاديِّين للقارة، بتمويل استثمارات وعقود طويلة الأمد، لا عبر التدخّل العسكري أو فرض العقوبات أو تغيير الأنظمة.

    بالتوازي مع ذلك، تعمل بكين على تقليص الاعتماد العالمي على الدولار. فقد أنشأت نظام المدفوعات الدولي Cross-Border Interbank Payment System ليكون بديلاً جزئياً لنظام SWIFT، يؤشر إلى تحوُّلات تدريجية في بنية النظام المالي العالمي.

    وقد بدأت هذه التحوُّلات تظهر في سوق الطاقة، حيث جرت بعض الصفقات النفطية بين الصين والسعودية بعملات غير الدولار، ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل نظام "البترودولار" الذي شكّل منذ سبعينات القرن الماضي أحد أعمدة القوة المالية الأميركية.

    لكنّ هذه الصورة ليست أحادية الاتجاه. فالمنافسة الدولية لم تعُد تدور حول النفوذ العسكري فقط، بل حول رسم طرق التجارة العالمية الجديدة. وفي هذا السياق برز مشروع India–Middle East–Europe Economic Corridor الذي تقوده الهند بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا وعدد من دول الشرق الأوسط، والذي طُرح رسمياً خلال قمة مجموعة العشرين عام 2023.

    يهدف هذا الممر الاقتصادي إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط من خلال شبكة متكاملة من الموانئ والسكك الحديد وخطوط الطاقة والكابلات الرقمية، بما يختصر زمن التجارة بين آسيا وأوروبا ويعزّز سلاسل الإمداد العالمية، ويقدّم في الوقت نفسه بديلاً جزئياً للمبادرة الصينية.

    مع ذلك، من المبكر الجزم بأنّ الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق أقل من كلفة هذا المشروع المنافس. فالمبادرة الصينية تمتد عبر قارات متعدّدة وتضمّ مئات المشاريع، وقد واجه بعضها صعوبات مالية أو سياسية دفعت بكين في أكثر من حالة إلى إعادة جدولة ديون أو إعادة هيكلة التمويل. وهذا يعني أنّ الكلفة الحقيقية للمشروع الصيني ما زالت مفتوحة على المدى الطويل، وربما أكثر تعقيداً ممّا يُعتقد.

    في المقابل، ليس محسوماً أيضاً أنّ ميزان المبادرة الدولية يميل تلقائياً لمصلحة الصين. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات قوّة واسعة - عسكرية ومالية وتكنولوجية - تمكّنها من محاولة تطويق الصعود الصيني أو الحدّ من توسعه، سواء عبر تحالفاتها في آسيا والمحيطَين الهندي والهادئ أو عبر دعم مشاريع اقتصادية بديلة تربط بين قارات مختلفة.

    الحرب الدائرة في المنطقة لا يقتصر تأثيرها على إيران وحدها. فدول الخليج العربي تجد نفسها أيضاً أمام معادلات أمنية واقتصادية دقيقة، فيما يبقى لبنان أحد أكثر الأطراف هشاشة بحُكم موقعه وتوازناته الداخلية. وفي المقابل، يؤدّي ارتفاع أسعار النفط والغاز الناتج من هذه التوترات إلى ضغط اقتصادي مباشر على الاقتصادات الصناعية الكبرى، ولا سيما في أوروبا والصين، حيث ترتفع كلفة الإنتاج وتتأثر سلاسل الإمداد.

    المشاريع المتنافسة تحمل بُعداً جيوسياسياً إضافياً. فإذا نجح مشروع الربط التجاري بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط، تسعى إسرائيل إلى الاستفادة منه، لتتحوّل إلى نقطة تقاطع لوجستية بين الشرق والغرب، خصوصاً إذا تطوّرت شبكات الموانئ والسكك الحديد التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. مثل هذا التحوّل قد يمنح الاقتصاد الإسرائيلي دوراً جديداً في سلاسل التجارة العالمية، إذا سمحت البيئة الجيوسياسية بذلك.

    هنا يمكن قراءة الصمت الصيني كرؤية تعتبر أنّ موازين القوّة في العالم لا تتغيّر فقط عبر الحروب، بل أيضاً عبر القدرة على رسم طرق التجارة وبناء شبكات الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية التي ستشكّل العمود الفقري للنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.