التمديد بين الضرورة والمناورة... جان بو شعيا

  • 07 March 2026
  • 1 hr ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • عاد ملفّ التمديد للمجلس النيابي إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان، لكن هذه المرّة في ظلّ ظروف أمنية حسّاسة وتعقيدات ميدانية تطرح تساؤلات جدّية حول قدرة الدولة على تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري. وبين المواقف المبدئية الرافضة لأيّ مساس بالاستحقاقات الدستورية، والواقعية السياسية التي تفرض قراءة دقيقة للظروف القائمة، تتكشف خلفيات متعدّدة للمشاريع المطروحة تحت عنوان “التأجيل”.

    من حيث المبدأ، لم يكن التيار الوطني الحرّ في يوم من الأيام من دعاة تعطيل المهل الدستورية أو تأجيل الانتخابات. بل على العكس، لطالما رفع شعار احترام الاستحقاقات الديمقراطية بوصفها المدخل الطبيعي لتجديد الحياة السياسية، وقد أثبتت التجارب السابقة أنّه يكاد يكون الفريق الوحيد الذي عارض التمديد للمجلس النيابي في أكثر من محطّة. إلا أنّ الظروف الأمنية التي تشهدها البلاد، وما يرافقها من صعوبات تنظيمية ولوجستية، فرضت طرحًا تقنيًا مؤقّتًا يهدف إلى تجنّب إجراء انتخابات في ظروف قد تفتقد إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار والجاهزية.

    انطلاقًا من هذا الواقع، تقدّم التيار الوطني الحرّ باقتراح قانون يقضي بتأجيل الانتخابات لمدّة أربعة أشهر فقط، مع إمكانية التجديد ثلاث مرات كحدّ أقصى إذا استمرّت الظروف نفسها. أي أنّ الطرح يقوم أساسًا على تأجيل تقني محدود ومشروط، لا على تمديد سياسي طويل الأمد يطيح بالدورة الدستورية للمجلس النيابي.

    واللافت أنّ التيار اختار طرح اقتراحه بشكل علني وواضح أمام اللبنانيين، واضعًا النقاش في إطاره الحقيقي: نقاش حول كيفية التعامل مع ظرف أمني استثنائي من دون المساس بجوهر الحياة الديمقراطية. هذا الخيار يعكس مقاربة تقوم على الشفافية والمصارحة مع الرأي العام، بعيدًا عن إدارة الملفّات الحسّاسة في الغرف المغلقة أو عبر التسويات الصامتة.

    في المقابل، تكشف الوقائع السياسية أنّ النقاش لم يكن محصورًا بهذا الطرح. فاقتراحات عدّة قُدّمت من أطراف مختلفة، وبعضها ذهب أبعد بكثير من فكرة التأجيل التقني، متّجهًا نحو تمديد طويل قد يصل إلى سنتَين أو أكثر. وهنا تحديدًا يظهر التناقض بين ما يُقال في العلن وما يجري العمل عليه في الكواليس.

    فالقوى التي تناقش في الغرف المغلقة سيناريوهات التمديد الطويل، هي نفسها التي يُتوقَّع أن ترفع سقف الخطاب في جلسة الاثنين، وأن تدخل في سباق من المزايدات الشعبوية تحت عنوان الدفاع عن الدستور ورفض التمديد. غير أنّ هذه الشعبوية، التي كانت في مراحل سابقة قادرة على التأثير في الرأي العام، تبدو اليوم مكشوفة أمام اللبنانيين الذين باتوا أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب العلني والمواقف الفعلية.

    وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة في المشهد السياسي. فبين أكثر المستفيدين من أيّ تمديد طويل يبرز عدد من النواب الذين خرجوا من التيار الوطني الحر وخاضوا مواجهات سياسية معه في السنوات الأخيرة وأولئك الذين أطلقوا على نفسهم اسم التغييريين. هؤلاء يدركون أنّ ميزان القوى الشعبي قد لا يكون في صالحهم إذا جرت الانتخابات في المدى القريب، ما يجعل أيّ تمديد طويل بمثابة فرصة إضافية للبقاء داخل المجلس النيابي أطول فترة ممكنة.

    من هنا، يصبح النقاش حول التمديد أبعد من مجرّد مسألة تقنية أو أمنية. إنّه صراع سياسي مكشوف بين مقاربتَين: مقاربة ترى أنّ أيّ تأجيل يجب أن يبقى محدودًا ومشروطًا بالظروف، ومقاربة أخرى تسعى إلى استثمار الأزمة لفرض تمديد طويل يجمّد الحياة الديمقراطية ويؤجّل لحظة المحاسبة الشعبية.

    الواقع أنّ التيار الوطني الحر ليس الطرف الوحيد الذي تقدّم باقتراح قانون في هذا الإطار، لكنّ الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الطرح وحدوده. فبين تأجيل تقني قصير يهدف إلى حماية العملية الانتخابية، وتمديد سياسي طويل يهدف إلى حماية مواقع سياسية مهدَّدة، يتّضح الخطّ الفاصل بين من يتعامل مع الاستحقاق كضرورة دستورية، ومن يتعامل معه كخطر يجب تأجيله.

    وفي ظلّ هذا المشهد المعقّد، يبقى الأمل الأكبر أن تنتهي هذه الحرب التي أثقلت كاهل اللبنانيين، وأن يعود المهجّرون والنازحون إلى بيوتهم وقراهم بسلام. فالديمقراطية لا تُختصر بصناديق الاقتراع فقط، بل تبدأ أوّلًا بعودة الناس إلى أرضهم واستعادة حياتهم الطبيعية. وحين يعود الاستقرار إلى كلّ بيت وقرية، يصبح الاستحقاق الانتخابي فعلًا وطنيًا جامعًا، لا مجرّد محطّة سياسية عابرة.