حين تنتقل الحرب من تخوم لبنان إلى معادلته الداخلية...

  • 07 March 2026
  • 21 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image

    أنطوان الأسمر - 

    لم يعد لبنان عند تخوم الحرب الدائرة في المنطقة، بل أضحى في قلبها. غير أن هذه الحقيقة لا تُقاس فقط بمدى اتساع رقعة الاشتباك على حدوده الجنوبية، بل بطبيعة التحوّل الذي أصاب موقعه في المعادلة الإقليمية. هو لم يعد مجرّد ساحة تتلقّى ارتدادات الصراعات، بل أصبح جزءاً من شبكة توازنات تُدار على مستوى أوسع من حدوده الوطنية. يعكس هذا التحول ، في جوهره، الانتقال - من موقع الحيّز المتأثر إلى موقع العقدة الوظيفية داخل صراع إقليمي متعدد المستويات.
    شكّل انخراط حزب الله في المواجهة العسكرية مع إسرائيل محطة مفصلية. لم تأتِ هذه الخطوة بوصفها رد فعل عسكرياً محدوداً، بل كجزء من حسابات أوسع تتصل بإدارة التوازن بين الردع والتصعيد. فالحزب، الذي راكم خلال العقدين الماضيين موقعاً عسكرياً وإقليمياً يتجاوز الإطار اللبناني الضيق، يتعامل مع المواجهة ضمن منطق تثبيت قواعد اشتباك جديدة، من شأنها إبقاء إسرائيل تحت ضغط دائم من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا المنطق، على الرغم من طابعه الحسابي، لا يلغي حجم المخاطر التي يفرضها على الداخل اللبناني.
    تكشف المعادلة التي تحكم الواقع اللبناني حدود الدولة أكثر مما تكشف قدرة القوى الفاعلة فيه. لا يزال قرار السلم والحرب موزعاً بين مؤسسات دستورية ضعيفة وقوى مسلحة تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية الاستراتيجية. لم تعد هذه الازدواجية مجرد خلل بنيوي في النظام السياسي، بل تحولت عنصرًا بنيويًا في إدارة الصراع نفسه. تجد الدولة نفسها عملياً في موقع المترجم السياسي لتداعيات قرارات لا تشارك فعلياً في صنعها، فيما تتحمل في المقابل كلفتها الديبلوماسية والاقتصادي والعسكرية.
    لكن المفارقة الأعمق تكمن في طبيعة المقاربة التي يعتمدها حزب الله في إدارة التصعيد. يسعى الحزب، وفق ما يظهر من سلوكه الميداني، إلى تحقيق توازن دقيق بين إظهار القدرة على فتح الجبهة من جهة، والحفاظ على سقف منخفض نسبياً للمواجهة من جهة أخرى. أي إنه يحاول استخدام الاشتباك المحدود كأداة ردع، لا كمدخل إلى حرب مفتوحة. غير أن هذه الاستراتيجية، التي تقوم على ضبط الإيقاع العسكري بدقة، تصطدم بواقع إقليمي شديد التقلب، حيث تصبح احتمالات الخطأ أو سوء التقدير جزءاً من المعادلة نفسها.
    تختلف البيئة الإقليمية الراهنة جذرياً عن تلك التي حكمت جولات التصعيد السابقة. فالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل والمحور الذي تقوده إيران، إلى جانب التحولات في ميزان القوى داخل المنطقة، تجعل هامش المناورة أضيق بكثير مما كان عليه في الماضي.
    داخلياً، ينعكس هذا الواقع على البنية السياسية اللبنانية بشكل واضح. لم يعد الانقسام التقليدي حول دور حزب الله وسلاحه يقتصر على النقاش السيادي أو الأيديولوجي، بل بات مرتبطاً مباشرة بمسألة الكلفة الوجودية للصراع. تنظر شريحة واسعة من اللبنانيين إلى الانخراط في المواجهة باعتباره مغامرة تتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال، فيما يرى أنصار الحزب أن معادلة الردع القائمة تشكّل الضمانة الوحيدة لمنع إسرائيل من فرض وقائع جديدة في المنطقة.
    اللافت في هذا السياق أن التباينات لم تعد محصورة بين المعسكرات السياسية التقليدية، بل بدأت تظهر بدرجات متفاوتة داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها. إذ تعكس المقاربة الأكثر حذراً التي تُنسب إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر التي يفرضها أي توسع في المواجهة، خصوصاً في ظل الانكشاف الاقتصادي والسياسي الذي يعيشه لبنان. صحيح أن هذا التمايز لا يرقى إلى مستوى الخلاف الاستراتيجي، لكنه يشير إلى اختلاف في تقدير التوقيت وحدود التصعيد المقبول.
    اقتصادياً، تتجاوز تداعيات الحرب البعد الأمني المباشر. فلبنان الذي يعاني أصلاً انهياراً مالياً عميقاً يجد نفسه أمام بيئة سياسية تزيد من عزلة اقتصاده وتعمّق فقدان الثقة به. ويحوّل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية البلد إلى مساحة عالية الكلفة بالنسبة للمستثمرين، فيما يؤدي تراجع حركة السياحة والخدمات إلى إضعاف أحد آخر مصادر العملة الصعبة المتبقية. ومع غياب إصلاحات اقتصادية بنيوية قادرة على استعادة الحد الأدنى من الثقة الدولية، يتحول كل تصعيد إقليمي إلى عامل إضافي يفاقم الانهيار. فالاقتصاد اللبناني لم يعد يمتلك أدوات امتصاص الصدمات التي كان يملكها في مراحل سابقة، ما يجعل تأثير الحرب مضاعفاً على مجتمع يعيش أصلاً في حال إنهاك اقتصادي واجتماعي.
    الأهم أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في احتمال توسع المواجهة العسكرية، بل في ترسّخ نموذج سياسي تصبح فيه الدولة أقل قدرة على استعادة دورها السيادي مع مرور الوقت. فالتجربة اللبنانية تُظهر أن الوقائع التي تُفرض تحت ضغط الاستثناءات الأمنية غالباً ما تتحول إلى قواعد دائمة في النظام السياسي. وفي ظل هذا المسار، يصبح التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط تجنب حرب واسعة، بل منع تحوّل هشاشته الراهنة إلى بنية دائمة يصعب الخروج منها.