-
منير الربيع -
الحرب الإيرانية الأميركية تتسع. تتحول إلى حرب إقليمية. قوى وجهات عديدة تبدي استعدادها للانخراط فيها، وإن كانت تعيد ذلك إلى أسباب دفاعية، خصوصاً دول خليجية وأوروبية. فبريطانيا سمحت للولايات المتحدة الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية لتنفيذ عمليات ضد إيران، كما أن ألمانيا وفرنسا يمكن أن تدخلا في مسار دعم القوات الأميركية أو تنفيذ عمليات، تحت شعار الدفاع عن المصالح، لا سيما أن إيران، ومن خلال تعطيل العمل في مضيق هرمز، تؤثر في تعطيل الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الغاز. عندما أطلقت أميركا الحرب على إيران أرادتها حرباً مشتركة مع إسرائيل، لكنّ هناك دولاً وجهات عديدة تسعى للانضمام إلى هذه الحرب. كذلك فإن العمليات التي نفذها الإيرانيون ضد دول الخليج دفعت بتلك الدول إلى أخذ مواقف غير حيادية، وهي تبدي الاستعداد للدفاع عن نفسها، وقد يتجلى ذلك بالانخراط في الحرب من منطلق دفاعي.
القرار الحاسم
هذا الخيار كان جزءاً من المداولات التي حصلت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول الخليج خلال الاتصالات الهاتفية التي أجراها معهم. كما أن بيان مجلس التعاون الخليجي قد ألمح إلى التحرك عسكرياً بهدف الدفاع عن النفس. وفق ما تقول مصادر ديبلوماسية، فإن التوقعات تشير إلى أن الحرب ستستمر لحوالى شهر، وأن هناك مؤشرات إلى الوصول إلى قرار حاسم بتغيير النظام الإيراني، وهو ما تدفع باتجاهه إسرائيل. وما تعمل الولايات المتحدة الأميركية على تثبيته هو أن إيران الحالية تشكل "خطراً على الأمن والاقتصاد العالميين".
الأقانيم الثلاثة
ما تريد واشنطن تحقيقه من خلال هذه الحرب، هو إنهاء المحور الإيراني وثلاثة أقانيم ترتبط به: الأول إسقاط الرمزية المرجعية التي تمثلها إيران بالمعنى الديني وبالنسبة إلى الشيعة في العالم، بمعنى أن تخوض واشنطن الحرب من دون انخراط مؤيدي إيران من الشيعة في هذه الحرب من أي دولة كانت وأن لا يتحرك الشيعة ثأراً للخامنئي أو دفاعاً عن إيران. أي ما أرادته واشنطن هو عزل حلفاء إيران عنها ومنعهم من خوض الحرب إلى جانبها.
الثاني: أرادت أميركا فصل إيران وعزلها عن المنطقة، وعدم السماح لها بإشعال حرب إقليمية وجعل الحرب محصورة داخل الأراضي الإيرانية. ولذلك تحرك المسؤولون الأميركيون باتجاه العراق ولبنان وأوصلوا رسائل تهديد وتحذير بوجوب عدم انخراط حلفاء إيران في الحرب، كما أوصلوا رسائل طمأنة إلى أنه في حال عدم الانخراط، فإن إسرائيل لن تلجأ لتنفيذ عمليات عسكرية.
الثالث: هو أقنوم الحرب الإقليمية الذي لطالما هددت به إيران في حال تعرضها لأي اعتداء، خصوصاً إشعال الخليج واستهداف إمدادت الطاقة والنفط، وقد سعت واشنطن إلى ضرب هذا المسعى الإيراني، لكن طهران أصرت على الاستهداف، وإن كان ذلك لم يؤد حتى الآن إلى تدمير منابع النفط، وتوقف حركة الملاحة أو التصدير.
توسيع الحرب
في مقابل العملية الأميركية، أصرت إيران على توسيع الحرب واستهداف دول الخليج، ودخول حلفائها إلى جانبها، وإن ليس بالشكل المطلوب في الأيام الأولى للحرب. ولكن حزب الله تحرك، وكذلك فصائل من الحشد الشعبي في العراق، وسط معلومات عن سعي الجانبين إلى تكثيف العمليات العسكرية وانضمام الحوثيين إلى المعركة أيضاً.
أرادت إيران تحويل الحرب إلى إقليمية وذات بعد دولي أيضاً. وهو ما تريد واشنطن استخدامه لإدخال قوى جديدة إلى هذه الحرب. ولكن في موازاة المعيار العسكري، كان هناك معيار سياسي عبر عنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قال إن إيران ليست بحاجة لمن يدافع عنها، وهذا ما فهم منه بأنه موقف سياسي لا يسعى الى استدراج حلفاء إيران للدفاع عنه، في مقابل موقف آخر لجهات عسكرية أرادت انخراط الجميع. وأبعد من ذلك جاء التسريب الذي يتحدث عن استهداف حزب الله للقاعدة العسكرية البريطانية في قبرص، وهذا سيكون له بعد أخطر في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع ربطه بعملية اطلاق الصواريخ التي نفذها الحزب ضد مواقع إسرائيلية انطلاقاً من الجنوب.
بهاتين العمليتين، يكون لبنان قد دخل رسمياً في مدار الحرب الإقليمية الدائرة في المنطقة، في حين كانت إسرائيل قد جهزت نفسها لتنفيذ عمليات وضربات عسكرية واسعة ضد الحزب، وقد طالت مناطق مختلفة إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال استهدفت قيادات عديدة في الحزب، بينهم شخصيات من المستويين السياسي والعسكري. إذ جرى التداول باستهداف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد الذي يشغل حالياً منصب نائب الأمين العام للحزب ويشرف على عملية إعادة تنظيم الحزب، قبل أن يخرج رعد بتصريح جرى توزيعه على وسائل الإعلام. أسئلة كثيرة أثيرت حول خلفية تنفيذ الحزب للعملية، وسط معلومات تفيد بأن الهيكل السياسي في الحزب لم يكن على علم بالتحضير للعملية، ولم يتخذ المسؤولون السياسيون في الحزب أيّة إجراءات وقائية. وذلك ما زاد من طرح الأسئلة حول غياب التواصل والتنسيق بين العسكريين والسياسيين، وهو ما يتطابق تماماً مع تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عندما أشار في إطلالاته الصحافية إلى أن المستوى العسكري في إيران لديه استقلالية في القرار، وأن الضربات التي ينفذها ليست بتوجيه من السلطة السياسية.
الحكومة تحسم
رداً على هذه العملية، سارعت الحكومة اللبنانية إلى عقد اجتماع، قررت فيه تصنيف الجناح العسكري والأمني في حزب الله بصفة الخارج عن القانون، وطلبت من الجيش اللبناني التحرك سريعاً لتوقيف مطلقي الصواريخ وتسريع تطبيق خطة حصر السلاح في شمال نهر الليطاني. لم تخلُ الجلسة من التوتر، في حين طالب قائد الجيش رودولف هيكل بموقف واضح وموحد يصدر عن الحكومة ليعمل على تطبيقه. أما اللافت أكثر فقد كان الاختلاف بين وزراء حزب الله ووزراء حركة أمل الذين أيدوا قرار الحكومة ولم يعترضوا عليه. ووفق المعلومات فإن الحكومة ستبقى مصرة على تطبيق قرارها وتكلف الجيش بالقيام بالخطوات المطلوبة. ورفضت الحكومة اللبنانية أي كلام أو تهديد باحتمال حصول حرب أهلية، معتبرة أن الجيش سيطبق القرار وعلى الجميع الالتزام به.
الحزب والحياة السياسية
في محاولة للتواصل مع حزب الله ومسؤوليه للحصول منهم على تعليق أو جواب أو ردة فعل، كانوا جميعهم غائبين عن السمع، وسط مخاوف لبنانية من أن يقدم الحزب على تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية كشكل من أشكال الردود على قرار الحكومة. بالنسبة إلى مصادر ديبلوماسية، فإن قرار الحكومة بحظر الجناحين العسكري والأمني للحزب، سيكون له أثر بعيد المدى سياسياً للمرحلة المقبلة، وهو ما ستسعى إسرائيل وأميركا وجهات دولية أخرى لتفكيك أيّة بنية سياسية أو مدنية أو مالية للحزب، وصولاً إلى منعه من المشاركة في الحياة السياسية.
واللافت أن العملية التي نفذها الحزب، لم ينفذ غيرها طوال ساعات النهار، في حين تواصلت الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، مع تهديدات باستمرار العملية العسكرية وتوسيعها والتلويح باجتياح بري. كما أن الاستهدافات الإسرائيلية طالت مقرات للقرض الحسن، وعمليات الاغتيال استهدفت رئيس مخابرات الحزب ومسؤول المالية فيه، وهذا ما يعني الاتجاه نحو استهداف شخصيات مدنية وسياسية في الحزب، وهو تطور في مسار العمليات العسكرية. في الوقت الذي أكدت فيه بعض المصادر القريبة من الحزب أنه سينفذ المزيد من العمليات، ولكن هو سيختار الأهداف والتوقيت، مع الإشارة إلى أنه يفضل التحرك ليلاً وليس في النهار.
المزيد من التهجير والاحتلال
عملياً، دخل لبنان في دوامة الحرب، وسط تهديدات إسرائيلية بتصعيدها، وفي ظل مخاوف من دخول إسرائيل في عملية برية قد تستمر لأسابيع، هدفها تهجير المزيد من المواطنين من الجنوب، واحتلال المزيد من الأراضي، وفرض شروط ووقائع عسكرية وسياسية جديدة، واستدراج لبنان إلى مفاوضات سياسية هدفها الوصول إلى اتفاق سلام تملي فيه تل أبيب كامل شروطها على بيروت. هناك مخاوف جدية لدى لبنان من أن تقدم إسرائيل على تنفيذ عملية عسكرية برية وتوغلات للسيطرة واحتلال المزيد من الأراضي في الجنوب، وسط مساع لفرض سيطرة أمنية وعسكرية بالنار على كل الجنوب اللبناني حتى نهر الأولي. تتركز المخاوف أيضاً من احتمال لجوء إسرائيل إلى تنفيذ عملية التوغل انطلاقاً من تلة مرصد جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي وفصل البقاع عن الجنوب. ما ستسعى إليه إسرائيل من هذه العملية هو خلق وقائع جديدة، وفرض اتفاق سلام وتطبيع على لبنان لاحقاً، أو بالحد الأدنى الوصول إلى فرض ما يشبه الوصاية الأمنية والعسكرية التي سيكون لها أثر سياسي في ما بعد.
-