قصة التفاوض مع الحزب قبل صدور قرار إطلاق الصواريخ

  • 03 March 2026
  • 13 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    عبد الله قمح -

    مع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فُتحت قنوات اتصال عاجلة مع حزب الله لاستطلاع موقفه من مسألة الانخراط في المعركة إلى جانب طهران. إحدى أبرز هذه القنوات كانت بين قصر بعبدا والضاحية الجنوبية، في حين تولّى رئيس مجلس النواب نبيه بري إدارة قناة موازية لتبادل الرسائل.


    خلاصة ما استنتجه المتابعون آنذاك أنّ الحزب لا يخطط للانخراط في حرب إسناد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأنه يتموضع في خانة الترقّب بانتظار اتضاح المسارات. في الموازاة، عمل بعض مسؤولي الحزب على تظهير موقفهم إلى الإعلام، في حين تولى آخرون تنظيم عمليات تسريب ممنهجة تحاكي مبدأ تموضع الحزب ضمن خانة التحرك في حالة واحدة هي الدفاع عن النفس في حال تعرضه لاعتداء. وظهر في الخلفية أن طرفاً فضّل الصمت والانتظار. وعلى الرغم من ذلك كله، جاء العنصر الأهم على شكل رسالة أساسية مررها إلى سائليه، مفادها أنه سيتحرك من منطلق الدفاع عن النفس إذا ما قررت إسرائيل شنّ هجوم عليه.

     

    في موازاة ذلك، تلقّى رئيس الجمهورية جوزاف عون رسالة خطية من الأميركيين، سلّمها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، تتضمن موقفاً أميركياً بتحييد لبنان بالتنسيق مع إسرائيل، التي قالت واشنطن إنها أبلغتها بهذا التوجّه. غير أنّ الرسالة لم تتضمّن أيّة ضمانات واضحة أو التزامات ملزمة.

     

    ووفق المعطيات، نقل رئيس الجمهورية فحوى الرسالة إلى الرئيس بري، الذي تولّى بدوره إيصالها إلى الحزب. كما أُفيد بأن العميد المتقاعد أندريه رحال أوصل مضمونها موفداً من رئيس الجمهورية عبر القناة المعتمدة. أثناء ذلك، قيل إن الحزب طلب من الدولة أن تُلزم الأميركيين بمنع إسرائيل من القيام بأي عمل عدائي تجاه لبنان. وخلال تلك الفترة، كانت نحو 48 ساعة قد مرّت من دون أن تنفذ إسرائيل غارة أو عملية اغتيال في الداخل اللبناني ما صُنّف في إطار نجاح المساعي. 

     

    بنتيجة هذه الاتصالات، رسمت الدولة موقفاً مبدئياً مفاده أنّ الحزب ليس في وارد الانضمام إلى الحرب. وما عزز هذا الانطباع خروج تسريبات إعلامية عن بعض مسؤولي الحزب بهذا المعنى. كما ساهم تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي لقناة الجزيرة، بأن إيران لا تحتاج إلى عون من أحد وهي قادرة على الدفاع عن نفسها، في ترسيخ هذه القراءة. وتحدّثت أوساط عن إشارات إيرانية مساعدة وغير مباشرة تمثلت في استثناء قاعدة حامات الجوية، حيث ينشط جنود أميركيون ومبنى السفارة الأميركية في عوكر، من أي تصعيد، خلافاً لما طُبّق مع قواعد أميركية في المنطقة. وفهم بأنه يأتي في معرض عدم إحراج الحزب.

     

    لكن فجأة، ومن دون إنذار مسبق، أُطلقت ثلاثة صواريخ من منطقة مفتوحة شمال الليطاني باتجاه مدينة حيفا، ليتبيّن لاحقاً أنّ الحزب تبنّاها. هذا التطور الذي منح إسرائيل ذريعة توسيع عدوانها وضع الرئيسين عون وبري في موقع حرج، وسط شعور بالصدمة إزاء تبدّل المشهد. وبدا امتعاض بري واضحاً وغير مسبوق، لا سيما بعد موافقة وزراء حركة أمل على قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب على كامل الأراضي اللبنانية المتخذ على طاولة مجلس الوزراء. 

     

    غموض موقف الحزب

    لا رواية دقيقة حتى الآن حول أسباب خروج الحزب عن التزامه السابق بحصر تحركه في إطار الدفاع عن النفس. غير أنّ ما يُستشف من المعطيات أنّ القرار اتُّخذ بصورة مفاجئة، وربما على خلفية تقدير بأن إسرائيل كانت تتجه نحو فتح جبهة واسعة ضده، مستنداً إلى مواقف علنية إتخذها قادة سياسيون وعسكريون، فاختار سلبها عنصر المفاجأة. ويُستدل إلى ذلك بأن الحزب، بعد إطلاق الصواريخ الثلاثة، لم يوسّع دائرة الرد بالرغم من التصعيد الإسرائيلي اللاحق.

     

    ميدانياً، استغلت إسرائيل الخطوة لشنّ حملة عسكرية واسعة. وسياسياً، انعكس ذلك على طاولة مجلس الوزراء الذي اتخذ قراراً غير مسبوق بحظر الأنشطة العسكرية للحزب على كامل الأراضي اللبنانية. وتشير المعطيات إلى أنّ القرار جاء نتيجة توافق غير معلن، بدليل عدم معارضة وزراء حركة أمل، واقتصار موقف وزراء الحزب على التحفّظ من دون الانسحاب من الجلسة. وثمة من يرى أنّ الحزب لم يعد يملك ترف الانسحاب، في ظل تحوّله إلى طرف سياسي معزول نسبياً داخل الحكومة، وهذا ما جعله يفضّل الحفاظ على مبدأ التضامن الوزاري.

     

    نظرياً، يبدو القرار الحكومي موجهاً إلى الخارج أكثر مما هو إلى الداخل، إذ جاء استجابة لضغوط سابقة، وربما كمحاولة لتحويله ورقة لوقف التصعيد الإسرائيلي، على قاعدة "أعطينا ما طُلب منا". إلا أنّ التطورات تجاوزت ذلك، وبدا القرار متأخراً قياساً إلى إيقاع الميدان.

     

    يبقى البعد الداخلي الأكثر حساسية. فوفق المعطيات، لا يفضّل قائد الجيش رودولف هيكل الانخراط في مواجهة داخلية، انطلاقاً من أن نقل الخلاف من نزاع لبناني – إسرائيلي إلى صراع لبناني – لبناني من شأنه زجّ الجيش في معادلة خطيرة. أضف إلى ذلك أن إمكانات الجيش في هذا الإطار محدودة. هذه الموقف وضعه هيكل في متناول رئيس الحكومة والوزراء خلال جلسة الأمس ما تسبب بإستياء رئيس الحكومة منه.

     

    هل قدمت الدولة تنازلاً؟

    عملياً، يمكن القول إن الدولة قدّمت تنازلاً كبيراً ووضعته على طاولة مفاوضات مفترضة، من دون أن تكون هناك مفاوضات فعلية أو ضمانات مقابلة. والأسوأ أنّ الخارج قد يعتبر القرارات الحكومية متأخرة، وأنّ التطور الإقليمي أتاح للجيش الإسرائيلي هامشاً أوسع للتحرك تحت عنوان نزع سلاح الحزب شمال الليطاني. ومن خلال تصريحات قادة الاحتلال، يتضح تراجع منسوب الثقة بقدرة مؤسسات الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها.

     

    هذا الواقع يعيد إلى الأذهان تفاهم 27 تشرين الثاني 2023 الذي وافقت عليه إسرائيل ولم تلتزم به وبقي تنفيذه لبنانياً فقط. ومع التصعيد الحالي، تبدو مفاعيل ذلك التفاهم إما ساقطة وإما مجمّدة تحت النار، في حين يتجه المشهد نحو صياغة ترتيبات جديدة على أنقاض التفاهم السابق، ولكن هذه المرة تحت ضغط العمليات العسكرية المتوقع توسعها خلال الايام المقبلة، لا عبر مسارات آمنة.

     

    كانت الحكومة قد قررت سابقاً الانخراط في مفاوضات سياسية غير مباشرة، وكلّفت السفير المتقاعد سيمون كرم بالمهمة. اليوم، تُستعاد نافذة التفاوض، لكن ضمن إطار مباشر يهدف إلى وقف التصعيد. وهكذا، تحصد إسرائيل أوراقاً إضافية في مواجهة لبنان المثقل بالجراح، والذي يدخل أي مسار تفاوضي من موقع الضعف لا القوة.

     

    في المقابل، ثمة من يرى أنّ الحزب، من خلال خطوته الصاروخية الأخيرة التي فجّرت جولة المواجهة الحالية، يسعى إلى جرّ إسرائيل نحو معركة برية أملاً في تحقيق توازن ميداني ينعكس على أوراق التفاوض اللبنانية. غير أنّ كل ذلك يجري في دولة لم تعد تملك تصوراً واضحاً حول قدرات الحزب أو حدود أدواره، ولا حول الكلفة التي يمكن أن تترتب على خياراته.