مَن سينفّذ القرار بنزع السلاح «فوراً»؟

  • 03 March 2026
  • 10 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    طوني عيسى- 

    ثمّة انقلاب شهده لبنان بالقرار الذي اتخذه مجلس الوزراء أمس، في شأن «حزب الله» وسلاحه. وهذا الإنقلاب سيُطيح كل المعطيات والوقائع التي كانت قائمة قبله، لكنّه يضع الدولة أمام تحدّي القدرة على الحسم: هل ستبقى مرّة أخرى تتخبَّط في قرارات لا تجرؤ على تنفيذها، أم ستنتقل إلى الأفعال؟

    السؤال المطروح بعد قرار الحكومة حظر أنشطة «حزب الله» الأمنية والعسكرية «فوراً» وإلزامه بتسليم سلاحه، هو الآتي: كيف سيُنفَّذ هذا القرار؟ وهل تمتلك الدولة غطاء سياسياً وعسكرياً كافياً للقيام بهذه المهمّة الدقيقة؟

     

    بالتأكيد، يوم أمس، لم تتخذ الحكومة قرارها بأعصاب باردة، بل كانت تتحرَّك في وضعية الطوارئ القصوى، بهدف نزع الذريعة التي تنوي إسرائيل استخدامها، من أجل توجيه ضربات ساحقة إلى البنى التحتية في لبنان كلّه، من مرافق عامة ومؤسسات حيوية، كالمطار والمرفأ ومؤسسات الكهرباء والمياه وسواها، وخزانات الوقود والجسور وسائر طرق المواصلات. واللافت أنّها جمّدت ضرباتها قبل ظهر أمس، وكأنّها تنتظر ما سيصدر عن مجلس الوزراء، وعلى أساسه تتخذ القرار: تضرب «الحزب» وحده أو لبنان بأسره.

     

    وفي أي حال، الحكومة نفسها كانت غارقة خلف جدران قصر بعبدا، تتخبَّط في سجالاتها الساخنة، وسط مشاعر الصدمة والخيبة، لأنّ «الحزب» كان قد بعث بتطمينات إلى أركان الحُكم جميعاً، بأنّه لن يتورَّط في الحرب الدائرة مع إيران، وهذا ما سمح لرئيس الجمهورية جوزاف عون بتقديم تطمين مقابل إلى السفير الأميركي ميشال عيسى، بأنّ لا تورُّط لبنانياً في الحرب الإقليمية، وعلى هذا الأساس، طالب في المقابل بأن تلتزم إسرائيل بتعهُّداتها الواردة في اتفاق تشرين 2024.

     

    الآن، يجدر التدقيق في الطريقة التي ستقارب بها إسرائيل هذا القرار. لكن، سيكون لبنان أمام مأزق حقيقي إذا أعلن «الحزب» رفضه الإلتزام، إذ من المتوقع أن تتعاطى إسرائيل مع بيان مجلس الوزراء كاعتراف رسمي من الدولة اللبنانية بأنّ السلاح بات «خارجاً عن القانون» في لبنان. وتالياً، من حقها أن تُصعِّد الغارات الجوية لتشمل كل ما يقع في سياق «النشاط العسكري للحزب»، وستعتبر نفسها الجهة القادرة على التنفيذ فيما الحكومة عاجزة. وستضغط عسكرياً على الجيش لتنفيذ ذلك من خلال «الميكانيزم». وفي احتمال أكثر سوءاً قد تتذرَّع بفشل الحكومة لتُطلِق اجتياحاً برياً عنوانه تأمين شمال الليطاني نيابة عن الدولة. واستدعاء إسرائيل 100 ألف جندي احتياطي قبل أيام يزيد من هذه الشكوك.

     

    وأمّا «​الحزب»، الذي ازداد إرباكاً باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فيجد نفسه اليوم يتيماً إقليمياً ومستفرداً محلياً. فحتى حليفه التاريخي الرئيس نبيه بري لا يُجاريه النهج. وعلى الأرجح، لن يُسلِّم «الحزب» سلاحه بسهولة، أي بمجرّد صدور بيان عن الحكومة، لأنّ هذا السلاح بالنسبة إليه ضمان لوجوده. ولكنّه قد لا يُطلِق المزيد من الصواريخ على إسرائيل في الوقت الحاضر. وفي أي حال، قدرته على المواجهة في الداخل اللبناني تتقلّص، خصوصاً بعدما تبيّن له أنّ تكرار سيناريو «7 أيار» في الظروف الحالية بات مستحيلاً. ويمكن أن يكون الرئيس بري أحد المفاتيح الأساسية لضمان التفاهمات ومساعدته على تجنُّب الانفجار في الشارع في هذه الفترة.

     

    ​إنّه اختبار تاريخي تعيشه الحكومة. فخطة 16 شباط، أي المرحلة الثانية من مسار حصر السلاح، التي تشمل المناطق الواقعة ما بين الليطاني والأولي، لم تعُد مجرّد مناورة لكسب الوقت، كما طُرِحَت في حينه، وبات على الجيش أن يباشر تنفيذها فوراً، وأن يُنفِّذ عمليات المصادرة للمخازن والمنصات، بدعم كامل من «الميكانيزم». وسيحاول الجيش أن يتجنّب أي احتكاك مع عناصر «الحزب» خلال تأديته هذه المهمّة. و​هنا تكمن الحلقة المفقودة في بيان الحكومة: مَن يضمَن تنفيذ هذا الاتفاق؟

     

    اللجنة الخماسية أبدت استعدادها للدعم. لكنّ الترجمة العملية ستؤدّيها لجنة «الميكانيزم» تحديداً. ويعني ذلك أنّ الرعاية المباشرة ستكون أميركية حصراً. وهنا يبدو مغزى قول الرئيس نواف سلام أخيراً، إنّ مهمّة «الميكانيزم» تشمل كل لبنان، أي إنّها تخرج من جنوب الليطاني إلى شماله، وتستمر في أي منطقة لبنانية أخرى، ما دامت هناك حاجة إليها. ما يعني أنّ واشنطن ستكون موجودة في كل المراحل المقبلة من عملية نزع السلاح. وهذا يعني أنّ مُهَل التنفيذ لم تعُد فضفاضة وغامضة. إنّها مسألة ​ساعات أو أيام قليلة، ويتبلور بشكل واضح ونهائي اتجاه الأزمة ومصير الحرب والاستقرار اللبناني ككل.