-
صلاح سلام -
يشكّل القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية باعتبار النشاط العسكري والأمني لـحزب الله غير قانوني، وتكليف القوى العسكرية توقيف المخالفين وسوقهم إلى القضاء العسكري، تحوّلاً مفصلياً في مقاربة الدولة لملف حصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم. فهذه هي المرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية وتنفيذ إتفاق الطائف تُعلن فيها السلطة التنفيذية بوضوح أن أي نشاط مسلح خارج إطار الشرعية يُعدّ خرقاً للقانون ويستوجب الملاحقة.
شدّد القرار على «التزام الحكومة غير القابل للتأويل بحصر السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية»، واعتبر أن «أي عمل عسكري أو أمني خارج هذه المؤسسات يُعدُّ انتهاكاً لسيادة الدولة ويعرّض مرتكبيه للمساءلة». أما بيان رئيس الحكومة فذهب أبعد في تحميل المسؤوليات، مؤكداً أن «الدولة لن تسمح بعد اليوم بتوريط لبنان في حروب لا قرار له فيها ولا مصلحة وطنية منها»، وأن «حماية اللبنانيين وأمنهم تتقدم على أي اعتبار آخر».
تأتي هذه الخطوة في سياق بالغ الحساسية، بعدما أدخل الحزب البلاد في أتون المواجهة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، عبر إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية، ما فتح الباب أمام ردود عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق. والنتيجة المباشرة كانت تهجير عشرات الألوف من العائلات من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، في الشوارع والساحات العامة وأمام مراكز الإيواء، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور النزوح الجماعي التي لطالما دفع اللبنانيون ثمنها.
القرار الحكومي لا يقتصر على بُعد أمني صرف، بل يحمل أبعاداً دستورية وسيادية عميقة. فهو يعيد التأكيد على أن قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات المؤسسات الدستورية حصراً، وفقاً للدستور وروحية الطائف، وليس قراراً فئوياً أو إقليمياً. كما أنه يوجّه رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الدولة قررت الانتقال من سياسة إدارة التوازنات إلى سياسة فرض القانون.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ. فتكليف القوى العسكرية توقيف المخالفين يضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار دقيق يتطلب غطاءً سياسياً واسعاً، وتماسكاً داخلياً صلباً، بعد طوي صفحة الأمن بالتراضي، تجنباً لأي انزلاق إلى صدام داخلي، وهنا تبرز أهمية التفاهمات بين الرؤساء الثلاثة التي تجلّت في صدور القرار الوزاري الهام. كما أن إحالة المخالفين إلى القضاء العسكري تعني أن الملف بات في عهدة المؤسسات، بعيداً عن السجالات الإعلامية أو التفاهمات غير المعلنة.
سياسياً، يفتح القرار الباب أمام إعادة رسم العلاقة بين الدولة والحزب على أسس مختلفة: إما الاندراج الكامل تحت سقف الشرعية، وإما مواجهة تبعات قانونية وسياسية غير مسبوقة. أما اجتماعياً، فإن معاناة النازحين والدمار اللاحق بالبنى التحتية يضغطان باتجاه تسريع تثبيت الاستقرار، ومنع تكرار سيناريو التوريط في حروب الآخرين.
إنها لحظة اختبار حقيقية لجدية الدولة في استعادة سيادتها، ولقدرتها على حماية شعبها من كلفة صراعات تتجاوز حدودها. القرار اتُّخذ، والنص واضح، والتحدي الآن في ترجمة هذا الوضوح إلى وقائع ملموسة تعيد الاعتبار لمنطق الدولة، وتضع حداً لازدواجية السلاح والقرار.
-