من الميكانيزم إلى الممر الاقتصادي: ضغط جديد في توقيت ملتبس!

  • 26 February 2026
  • 30 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image

    غادة حلاوي -

    لا تتوقف فرنسا عن محاولاتها الاستثمار في لبنان ومن خلاله. فبعد شركة "توتال" واتفاقية التنقيب عن النفط في ضوء الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل، تسعى اليوم إلى إدخال لبنان في الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي تشارك فيه إسرائيل مباشرة. وقد شكّلت زيارة الموفد الخاص للرئيس الفرنسي لمبادرة هذا الممر، جيرار ميستراليه، أولى خطوات البحث في إمكانية انضمام لبنان إلى هذه المبادرة.

    تريد فرنسا الاستفادة من موقع لبنان الواقع في على المتوسط وفي قلب المشرق العربي، بما يشكل نقطة التقاء مهمة لهذه المشاريع التجارية، نتيجة موقعه الجغرافي الاستراتيجي. وتسعى من خلال الاستثمار في مرفأ بيروت، إلى استعادة دورها في المتوسط. تلقف لبنان اللحظة ولم يجد ما يمنع وجوده مع جملة الدول التي يشملها الممر. في التبرير اللبناني، فإن الخط سيتم تعديله كما وعدت فرنسا، بحيث لا يمر من إسرائيل مباشرة باتجاه لبنان. والسؤال ما هي قدرة فرنسا على تحقيق تحول كهذا في الزمن الأميركي؟

    اللافت هنا هو التوقيت، إذ تأتي هذه الخطوة في وقت لم تسجّل فيه لجنة الميكانيزم أي تقدم يُذكر. كما تعني أن فرنسا دخلت من باب الخط التجاري (طريق الهند) إلى الاستثمار في لبنان، فيما أبدى رئيس الجمهورية جوزاف عون تجاوبًا مع خطوة تتضمن علنًا جزءًا من القبول بتقاطع المصالح مع إسرائيل، إن لم نقل تطبيعاً.

    وهذا يعني دخول لبنان مرحلة سياسية متقدمة، في وقت لا يزال فيه تحت نيران الاحتلال الإسرائيلي، وتحت وطأة الضغوط المتعلقة بسلاح حزب الله، والضغوط المالية التي تمنع إعادة الإعمار. وكأن هذه الخطوة تأتي خارج السياق الطبيعي للوضع اللبناني، وتنذر باتجاهات تتماشى مع الضغوط الخارجية.

    وترافقت هذه الأجواء مع رسائل أميركية تدعو لبنان إلى إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل، حتى قبل سوريا أو السعودية. وعندما يسأل الأميركيون عن قدرة لبنان على ذلك، يكون الجواب أنهم سيحصلون على موافقة سعودية تسمح للبنان بالسبق في هذا المسار. أما الموقف الصادر عن بعبدا بشأن الانتساب إلى هذا الخط، وبغضّ النظر عن الإيجابيات الاقتصادية المحتملة، فيبدو وكأنه خارج السياق السياسي الذي يعيشه لبنان اليوم.

    الاتفاقية مع قبرص وأبعادها

    وقبل أن يبدي لبنان استعداده للانخراط في الممر الاقتصادي، جرى توقيع اتفاقية الترسيم مع قبرص، بعد سنوات من التأخير. وقد أُنجزت الاتفاقية خلال فترة قياسية نتيجة اجتماعات متتالية بين مسؤولي البلدين. لكن توقيعها فتح باب الانقسام الداخلي بين مؤيد ومنتقد. وقعت الاتفاقية وطويت الصفحة وحتى البرلمان والنواب لم يحركوا ساكناً.

    من الجانب القبرصي، ثمّنت مصادر قبرصية هذه الخطوة واعتبرها إيجابية لمصلحة لبنان، مستغربة الانقسام الداخلي حولها. أما في لبنان، فكان من الأجدى الإنصات إلى أصحاب الخبرة، الذين رأوا أن الاتفاقية جاءت منقوصة، وأن لبنان خسر جزءًا من ثروته البحرية. وقد جاءت الاتفاقية ثمرة ضغط أوروبي–أميركي مشترك، ولم يكن لبنان ليقدم عليها لولا طلب خارجي بعدم عرقلة المصالح القبرصية، والتخلي عن الاعتبارات السابقة المرتبطة بتركيا وسوريا.

    اليوم، أُنجز الترسيم مع قبرص، لكن لبنان لم يجنِ فوائده، بل خلّف تحفظًا تركيًا واستياءً سوريًا. ولا نتائج ملموسة لكل التنازلات اللبنانية من حصرية السلاح إلى الاتفاقية وصولاً إلى الاستعداد للانضمام إلى اتفاقية الممر الاقتصادي، بل تقديم أوراق مجانية ظاهريًا، ضمن مسار اندماج في التحولات الإقليمية التي تطلبها الولايات المتحدة منذ سنوات.

    العلاقة مع قبرص بدأت بالترسيم البحري، دورها لم ينته بعد وهي التي تريد استضافة مفاوضات لبنان مع إسرائيل متى نضجت الأمور، أقله بحكم الموقع الجغرافي، وهي تسعى للعب دور كهذا، كما أنها تطرح نفسها كساعية مع إسرائيل لإطلاق سراح عدد من الأسرى اللبنانيين.

    في خطاب القسم، أعلن عون سعيه إلى تحييد لبنان عن الصراعات، وكان من أول قراراته تعيين السفير سيمون كرم ممثلًا مدنيًا في الميكانيزم، بعد ساعات من زيارة البابا إلى لبنان، استجابة لرغبة أميركية. اتخذ قرار في الحكومة بحصرية السلاح، نفذ الجزء المتعلق بجنوب الليطاني وسيستكمل الخطوة الثانية شمال الليطاني.

    يقوم لبنان بخطوات على أمل الحصول على مقابل لاحق، وأولى هذه الخطوات تتعلق بسلاح حزب الله، كشرط لإعادة الإعمار والاستثمار النفطي والإصلاحات.

    كسر عون، ومعه وزير الخارجية وسواهما، محرمات سياسية، فلم يعد الحديث عن السلام مع إسرائيل محرّماً، وأصبحت العودة إلى الهدنة أمرًا طبيعيًا، وتراجع خطاب المقاومة إلا لدى فريق واحد. اليوم، هناك تواصل غير مباشر بين لبنان وإسرائيل عبر الميكانيزم، والمنطقة بأكملها، بما فيها لبنان، خاضعة للقيادة الأميركية.

    في المحصلة، ستزيد هذه الاتجاهات من الانقسام الداخلي، وهي مؤشرات إلى مزيد من التعقيد على المستوى الوطني. فموازين القوى الكبرى تتغير، والحسم مرتبط بالصراع الأميركي الإيراني، وانعكاساته الإقليمية. كما أن إسرائيل لم تعد تتردد في خطواتها، وقد طلبت حواراً مباشراً مع الجيش اللبناني، من دون وساطة أميركية. ويمكن القول إن لجنة الميكانيزم مهّدت لحوار عسكري مباشر بين الطرفين. لكن يبقى السؤال: هل يستطيع لبنان، في ظل الوضع الميداني الحالي، الانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟ الأمر مشكوك فيه لكن الضغط عليه لهذه الغاية مستمر وعليه أن يمتثل. وبينما يفشل لبنان في نيل مطالبه وحفظ سيادته بالدبلوماسية، تحقق إسرائيل غايتها بالضغط العسكري والسياسي والحبل على الجرار.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology