سقوط قانون... وانتصارٌ للعدالة - رندا شمعون

  • 26 February 2026
  • 21 secs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    حين يُبطِل المجلس الدستوري قانون “استقلالية القضاء” برمّته، بعد الطعن المقدَّم من تكتل لبنان القوي ورئيسه النائب جبران باسيل، فنحن لا نكون أمام تفصيل تشريعي عابر، بل أمام محطة مفصلية في مسار الدفاع عن الدولة نفسها.
    القرار لم يُسقط “استقلال القضاء”، كما يحاول البعض تصويره شعبويًا، بل أسقط قانونًا مشوَّهًا كان يُراد له أن يُمرَّر تحت عنوان الإصلاح، فيما هو في جوهره تكريسٌ لاختلالات دستورية خطيرة، تمسّ بمبدأ فصل السلطات، وتضرب وحدة المعايير، وتفتح الباب أمام فوضى تشريعية لا تقلّ خطورة عن الوصاية السياسية نفسها.

    رُفِع الشعار عاليًا: “استقلالية القضاء”.
    لكنّ النص الذي أُقرّ لم يكن محصّنًا دستوريًا، بل شابه خلل في الصلاحيات، والتوازن بين السلطات، وآليات التعيين والمساءلة.
    الاستقلال لا يُبنى بالانفعال ولا بالمزايدات الإعلامية، بل بتشريعٍ متماسك، يراعي الدستور، ويحمي القاضي من السياسي، كما يحمي القضاء من التحوّل إلى سلطة بلا ضوابط.
    الطعن لم يكن استهدافًا للقضاة، بل دفاعًا عنهم.
    لم يكن تعطيلًا للإصلاح، بل منعًا لإصلاحٍ مُعلَّب، هشّ، وقابل للسقوط عند أول مراجعة دستورية… وقد سقط.

    منذ اللحظة الأولى، حذّر “التيار الوطني الحر” من الثغرات البنيوية في القانون:
    تجاوز بعض أحكام الدستور في ما يتعلّق بتوازن السلطات.
    خلل في آليات تشكيل مجلس القضاء الأعلى.
    نصوص ملتبسة في ما يخصّ التعيينات والمساءلة.
    غياب مقاربة شاملة للإصلاح القضائي، تدمج بين الاستقلال والمحاسبة.
    لم يكن الهدف تسجيل نقطة سياسية، بل منع تكريس سابقة تشريعية تضرب ما تبقّى من انتظام دستوري في الدولة اللبنانية.

    قرار المجلس الدستوري بإبطال القانون بالكامل، لا جزئيًا، يؤكّد أن الطعن كان في مكانه، وأن المقاربة لم تكن كيدية أو شعبوية.
    هنا، يُسجَّل إنجاز واضح لـ التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل، اللذين تحمّلا موجة التخوين والاتهام بتعطيل “الإصلاح”، فيما كانا في الواقع يمنعان تمرير نصّ معيب يُكرّس أزمة جديدة بدل أن يحلّها.
    الفرق كبير بين من يريد قضاءً مستقلًا فعلًا، ومن يريد قانونًا بعنوانٍ برّاق يضيف إلى الانهيار انهيارًا.

    القضاة في لبنان ، الشرفاء، الذين صمدوا في وجه الضغوط السياسية والمالية، رغم انهيار الدولة ورواتبهم ، هم بحاجة إلى قانون يحميهم:
    من التدخلات السياسية، الكيديات ، الاستنسابية.
    ومن تحويل القضاء إلى ساحة تصفية حسابات الاستقلالية الحقيقية تتحقق 
    بتحصين مجلس القضاء الأعلى من المحاصصة.
    بِآلية شفافة للتعيين والترقية.
    بموازنة مستقلة.
    بمساءلة داخلية منضبطة لا سياسية.
    أي قانون لا يستوفي هذه الشروط، هو عبء على القضاء لا حماية له.

    إبطال القانون بالكامل يشكّل إدانة واضحة للنهج الذي اعتمدته الحكومة والمنظومة النيابية في مقاربة ملف بهذه الحساسية.
    فبدل إنتاج تشريع مَتين يحظى بإجماع وطني ودستوري، جرى الاستعجال في تمرير نصّ قابل للطعن، وكأن المطلوب تسجيل “إنجاز إعلامي” لا بناء ركن أساسي من أركان الدولة.
    وهنا المفارقة:
    من اتُّهم بتعطيل استقلالية القضاء، هو من حمى الدستور.
    ومن ادّعى الإصلاح، قدّم قانونًا سقط أمام أول اختبار دستوري.

    المعركة لم تنتهِ.
    إبطال القانون ليس نهاية المسار، بل بدايته الصحيحة،
    و المطلوب اليوم إعادة صياغة قانون استقلالية القضاء وفق المعايير الدستورية.
    إشراك الجسم القضائي في النقاش.
    تجنّب الاستنسابية والتسرّع.
    وضع رؤية إصلاحية شاملة، لا ترقيعية.
    إن استقلال القضاء ليس مطلب حزب، بل شرط قيام الدولة.
    وإذا كان هذا القرار قد أعاد الأمور إلى نصابها، فهو يؤكد أن المعركة الحقيقية ليست بين قاضٍ وسياسي، بل بين من يريد دولة فعلًا، ومن يتقن فقط إدارة الانهيار.
    في هذا الملف، سجّل النائب جبران باسيل والتيار الوطني الحر نقطة دستورية وسياسية واضحة.
    ليس انتصارًا فئويًا، بل تثبيتًا لقاعدة بسيطة:
    لا إصلاح خارج الدستور ، ولا استقلالية حقيقية تُبنى على نصّ ساقط.
    وإذا كانت العدالة قد نُصِرَت اليوم بإبطال قانونٍ معيب، فالواجب ألا تتكرّر الجريمة بحقّها تحت أي عنوان.