المسيحيون.. المعنى قبل الدور! (طلال عساف)
-
25 February 2026
-
1 month ago
-
-
source: الجمهورية
-
لم يعُد التحدّي الذي يواجه المسيحيِّين في لبنان مجرّد فقدان النفوذ السياسي أو تراجع الدور الذي ميّزهم قبل التسعينات، زمن الجمهورية الأولى. التحدّي القائم وجودي واستراتيجي: كيف لهم أن يجدوا مكانهم في لحظة إقليمية تشجّع نسبياً على تفكيك الدولة الوطنية من الداخل؟ ما انتهى ليس مجرّد دور، بل المعنى الذي منحه وجودهم للدولة نفسها. ويعني الفشل في استنباط دور جديد الانحسار النهائي إلى موقع طرف تفاوضي قابل للإلغاء أو التهميش.
قبل التسعينات، كان الدور المسيحي متأسِّساً على ثلاثة أعمدة: دولة مركزية فاعلة، توازن داخلي قابل للإدارة، ورعاية دولية مستقرة. هذه الأعمدة انهارت واحداً تلو الآخر: الدولة تفكّكت، التوازن اختلّ، والخارج لم يعُد حامياً موحّداً بل لاعب مصالح متقلّباً. لذلك، لن تنجح أي محاولة لاستعادة الماضي، وقد تكون قاتلة، لأنّها تؤخّر البحث عن الدور الممكن الذي يضمن البقاء والاستمرار.
لا يُقاس الدور الجديد بالقوة أو بالعدد، بل بالمعنى الاستراتيجي: أن تصبح الجماعة المسيحية الركيزة التي لا غنى عنها للدولة، بما يثبّت ربط وجودهم السياسي والرمزي بفكرة الدولة الواحدة، بقرار سيادي واحد، واحتكار للقوّة المشروعة، وبمرجعية دستورية وقانونية واضحة. بهذا التموقع، يتحوّل الوجود المسيحي من مجرّد دور تفاوضي على الحصص إلى العمود الفقري الذي تستند إليه الدولة نفسها.
يخرج هذا التموضع الحاسم للمسيحيِّين من خانة المطالبين إلى خانة مقدّمي الضمانات. لا تكمن قوّتهم في الميليشيات أو التحالفات العابرة للحدود، أو حتى في امتلاك الأرض، بل في معناهم الاستراتيجي والوجودي داخل الدولة. أي خطوة نحو تفكيك الدولة تصبح تلقائياً تهديداً لهم، وأي حماية يطالبون بها تصبح أقل أهمية من الدور الذي يمكنهم القيام به.
لم يعُد الدفاع عن الدستور والمؤسسات خياراً أخلاقياً أو رمزياً فحسب، بل أصبح معركة بقاء استراتيجية. الخارج لا يمكنه أن يملأ الفراغ، والشريك الداخلي يُدير في أحيان كثيرة الظهر للدولة بمعناها الوطني. المسيحيّون، عبر شغل المساحات الدولتية التي هجروها في العقود الثلاثة الفائتة (القضاء، الإدارة، الرقابة، العسكر والأمن...) يؤمّنون استدامة سياسية ويضعون أنفسهم في موقع المرجعية، حتى لو غابت القوّة التقليدية.
أمّا الرهان على كيانات صغرى، أو مناطق آمنة، أو صيغ تفكيكية، فهو مسار غير مأمون. تلك الكيانات غير المستدامة لا اقتصاد لها ولا دفاع ذاتياً ولا قرار مستقلّاً، وستكون حكماً أدوات تفاوض في أيدي قوى إقليمية. يعني الانحسار للمسيحيِّين تحوّلهم مجرّد ورقة تفاوضية، وفقدانهم أي قدرة على التأثير، سواء في الداخل أو في الاستحقاقات الإقليمية.
لبنان هو آخر نموذج لدولة تعدُّدية في المشرق. يعني سقوط هذا النموذج فقدان معنى وجودي ليس فقط للمسيحيِّين، بل للدولة ككل. وجود المسيحيِّين كان باستمرار عاملاً متوازناً بين الداخل والخارج، جسراً للتوافق، ومرجعية لاستقرار الدولة، وليس مجرّد لاعب في صراعات هامشية أو أداة في محاور إقليمية.
تتطلّب إعادة بناء الدور المسيحي أيضاً تحويل العلاقة مع الخارج من ملف حماية أقلية إلى شريك استراتيجي لحفظ الدولة اللبنانية. لا طلب حماية، ولا استدعاء تدخّل، بل عرض القدرة على ضمان استقرار الدولة، ممّا يجعل أي خروج عنها أو محاولات التفكيك، مكلفاً سياسياً واستراتيجياً على الجميع.
الخلاصة واضحة وحاسمة: معركة المسيحيِّين ليست على النفوذ أو المناصب، بل على الركيزة الاستراتيجية والمعنى الوجودي للدولة. إمّا أن يصبحوا مرادفين للعمود الفقري للدولة حين تتداعى، أو يتحوّلوا إلى تفصيل تفاوضي يُحذف أو يُهمل مع أي تسوية إقليمية. الخيار الأول صعب وبطيء، لكنّه الوحيد القابل للاستمرار. أمّا الثاني فهو سبيل بلا عودة، وخسارة لأي دور مؤثر في لبنان والمشرق.
في هذه اللحظة الإقليمية الحرجة، لا يُقاس الدور بمَن يملك القوّة، بل بمن يملك المعنى الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه. والمسيحيّون، إذا أحسنوا التموضع، ما زالوا قادرين على تحويل تراجعهم التاريخي إلى معركة بقاء مستدامة، يقوم فيها وجودهم على العمود الفقري للدولة الذي لا يمكن تجاوزه أو إلغاؤه.
-
-
Just in
-
10 :29
"تسنيم" عن رئيس هيئة رئاسة البرلمان الإيراني: مضيق هرمز لن يعود إلى حالته السابقة
-
10 :26
البستاني يدعو الوزراء إلى "إلى ضرورة التحرك وفق خطّة شاملة"... تتمة
-
10 :23
الوكالة الوطنية: أصيب مواطن جراء غارة من مسيرة استهدفت دراجة نارية على طريق عين بعال في قضاء صور
-
10 :20
الطائرات الحربية الإسرائيلية تجدّد قصف جسر على مجرى نهر الليطاني بين مشغرة وسحمر
-
10 :16
الحشد الشعبي في العراق: مقتل عنصر وإصابة 5 بينهم منتسب لوزارة الدفاع في قصف للواء 45 بمحافظة الأنبار
-
09 :55
مصرف لبنان خلال الحرب: "الفجوة" ترتفع بـِ 6 مليارات دولار تتمة
-
-
Other stories
Just in
-
10 :29
"تسنيم" عن رئيس هيئة رئاسة البرلمان الإيراني: مضيق هرمز لن يعود إلى حالته السابقة
-
10 :26
البستاني يدعو الوزراء إلى "إلى ضرورة التحرك وفق خطّة شاملة"... تتمة
-
10 :23
الوكالة الوطنية: أصيب مواطن جراء غارة من مسيرة استهدفت دراجة نارية على طريق عين بعال في قضاء صور
-
10 :20
الطائرات الحربية الإسرائيلية تجدّد قصف جسر على مجرى نهر الليطاني بين مشغرة وسحمر
-
10 :16
الحشد الشعبي في العراق: مقتل عنصر وإصابة 5 بينهم منتسب لوزارة الدفاع في قصف للواء 45 بمحافظة الأنبار
-
09 :55
مصرف لبنان خلال الحرب: "الفجوة" ترتفع بـِ 6 مليارات دولار تتمة
All news
- Filter
-
-
البستاني يدعو الوزراء إلى "إلى ضرورة التحرك وفق خطّة شاملة"...
-
04 April 2026
-
مصرف لبنان خلال الحرب: "الفجوة" ترتفع بـِ 6 مليارات دولار
-
04 April 2026
-
القرى المسيحية في الجنوب: ثباتٌ حذِر على وقع المخاوف الأمنية ودعوات الإخلاء - (بولا أسطيح - الشرق الأوسط)
-
04 April 2026
-
كيف علّق ترامب بعد إسقاط إيران مقاتلة أميركية؟
-
04 April 2026
-
EXCLUSIVEكواليس - نائب حاقد!
-
04 April 2026
-
طروحات مصرية وتلميحات فرنسية.. و"الحزب" حسم خياره!
-
04 April 2026
-
"سيناريو غزة" في لبنان.. هذا ما تخطط له إسرائيل!
-
04 April 2026
-
عن عملية الغزو البري... طهران لواشنطن: "نحن من سينهيها"!
-
04 April 2026
-
تنبيه في القليعة: إمتنعوا عن هذه الأمور حرصًا على سلامة الجميع
-
04 April 2026
-
توغّل خطير… إسرائيل تختطف مواطنًا لبنانيًا!
-
04 April 2026

