-
د. عبدالله ريشا -
هو نداء للتغيير والتطوير، وليس نقداً أو انتقاداً ولا دعوة مستحيلة إلى العصيان واعتناق البدائل. فالمسيحيّون ما زالوا حتى الساعة متعلّقين بالزعامتَين التاريخيّتَين، بنسبة كبيرة تلامس النصف، ونصفهم الآخر منضوٍ في أحزاب وأقليات عائلية ومناطقية، أحزاب تتحوّل إلى عائلات وعائلات تصبح أحزاباً وتيارات تتأرجح بين الاثنين. ولكنّها المساحة الأكثر ديمقراطية في لبنان والشرق مع بعض الاستثناءات.
يقول ماكس وبر، إنّ أي محاولة لتكرار كاريزما الماضي هي مرحلة انتقالية لا يمكن أن تصبح أساساً دائماً للشرعية. أمّا مسيحيّو لبنان فيعيشون أزمة إضافية على تلك التي وصفها وبر، هي أزمة تكرار إنجازات رجالات الماضي. ليس بفعل عجز أو نقص في أي من معايير الزعامة والقيادة، بل بفعل تناقص في الصلاحيات بحسب وثيقة الوفاق الوطني، التي باتت نعمة دستورية ضامنة لدورهم ووجودهم إذا ما أحسنوا اعتمادها، أو نقمة سياسية إذا ما بقوا غارقين بأوهام مرّ عليها الزمن وباتت بعيدة من الواقع.
مداخلات كثيرة طبعت مرحلة المارونية السياسية في الإصلاحات وبناء الدولة والسيادة، من كميل شمعون الذي انحاز ومعه كل الجمهورية إلى حلف بغداد مستجلباً قوات «المارينز» لحماية الشرعية، إلى فؤاد شهاب الذي أدخل الإصلاح والإصلاحيِّين إلى قصر بعبدا مع الأب لوبريه ولجنة «إيفرد»، واضعاً أسس المؤسسات والإصلاحات وأعمدة الحمايات الاجتماعية، إلى بيار الجميّل الذي حرّر الطبقة السياسية من الإقطاع والتوريث عبر انتفاضة نيابية بلغت حدّ التسونامي عام 1968، إلى الجبهة اللبنانية التي حرّرت الأرض من الوطن البديل وتنظيماته العسكرية، إلى بشير الجميّل، الهالة التي اجتاحت قلوب وعقول السواد الأعظم من المسيحيِّين، عابرة حواجز الوهم الشعبوي إلى تحقيق نتائج ملموسة في الثورة والسيادة.
مسارٌ مثيرٌ للجدل أصبح مادة خلافية بين غالبية اللبنانيِّين، ومادة جامعة لدى غالبية المسيحيِّين، ليبدأ بعده زمن التعثرات في الحكم والمعارضة.
فمعارضة ومقاطعة 96% من المسيحيين في انتخابات 1992 لم توقف عجلة دولة الوصاية وانعكاس التحولات الإقليمية بعد سقوط العراق عام 1991، وحُكم 86% من المسيحيين عام 2016 لم يوقف الإنهيار الاقتصادي وسقوط المرفأ والمصرف عام 2019 و2020 لتسقط النظرية القائلة بأنّ وحدة المسيحيِّين كافية لتثبيت قوّة الدولة ومصلحة الطائفة.
غابت إنجازات الإصلاح والسيادة والتحرير والإنماء والحمايات الاجتماعية والاقتصادية، لتحلّ مكانها حروب كلامية وألفاظ صوتية صاخبة بوجه طوائف أخرى، وحملات تكفيرية وتخوينية داخل الصف الواحد. سوريا انسحبت عام 2005 لأنّ الأسد لم يوافق على مقترحات كولن باول الخمسة، و«حزب الله» تراجع لأنّ إسرائيل أثبتت تفوّقاً أمنياً كبيراً، والنظام السوري سقط بفعل قوّة الأتراك في لحظة جيوسياسية شهدت تراجعاً إيرانياً وإرباكاً روسياً. هي تحوّلات وانقلابات في موازين القوى لا علاقة لها بنضال شخصيات وصمود زعامات وفروسية رؤساء أحزاب سياسية.
أتقنت الأحزاب المسيحية مراكمة أعداد أعضاء التكتلات النيابية، والمواقع الوزارية واستعادة حقوق مسيحيّي الداخل والاغتراب، ولم تتقن إنجاز ما يضمن البقاء والوجود من ضمان شيخوخة إلى التعليم المجاني إلى الطبابة المجانية، فالشباب لا يهاجر بسبب حقوق المسيحيِّين المنقوصة في الدولة ولا يعود من المهجر عند ازدياد عدد نواب التكتل الذين اقترعوا له، بل يتركون الوطن بفعل انعدام فرص العمل والتراجع الاقتصادي وانسداد أفق التقدُّم والنمو.
هي ليست قراءة نقدية موجّهة إلى المسيحيِّين فقط، لأنّ ما ورد ينطبق على سائر القوى السياسية، فالتعثر كان شاملاً والسقوط هو مسؤولية جماعية تخصّ كل الطوائف والتيارات، ولكن هذه الصور تحاكي نوستالجيا المسيحيِّين بشكل خاص، لأنّ دورهم في التأسيس الأول كان رائداً ومميّزاً، وربما لم يفهموا الطائف ولم يدركوا أنّ ما قبله ليس كما بعده، وأنّ لا فريق سيادياً وآخر غير سيادي ولا حزب فاسداً وآخر إصلاحياً، وليس ثمة شخصية سياسية تكره لبنان وتريده من دون كهرباء، وأخرى تحبّه وتريده مضيئاً ومشعشعاً. بل إنّ أمراً ما تغيّر في الصلاحيات والدستور والديموغرافيا والدور الإقليمي، وأنّ الأرضية الاجتماعية باتت على وشك الانتقال من مدارس الشعارات الموهومة إلى جامعة البراغماتية والواقعية، بعد المشاهدات التي تلت توقيع اتفاق الطائف حتى اليوم. وشريط الأحداث هذا سيقودهم إلى الاقتناع بأنّ دورهم في المستقبل سيرتكز على الحياد والمبادرة ومدّ الجسور بين المكوّنات اللبنانية الأخرى، وليس الانقضاض الكلامي على إحدى هذه المكوّنات بغية شدّ العصب الطائفي الداخلي، وسيستند على استعادة النهج الشهابي الإصلاحي في مؤسسات الدولة انطلاقاً من أحزاب عصرية تقدّمية تُقدِّم نماذج ديمقراطية لتداول السلطة وللعمل السياسي الرائد المرتكز على دراسة مخاطر وفرص المستقبل. هي ليست دعوة بائسة إلى الانتفاضة على القيادات وانتخاب شخصيات جديدة، بل هي دعوة لهذه القيادات إلى تغيير جذري في استراتيجية مقاربة السياسات وإعادة النظر بقراءة اتفاق الطائف والتغيّرات المتوقعة في البنية الاجتماعية، والعقل السياسي المسيحي ضمن منهجية استشرافية على طريقة الكاتب الفرنسي جاك أتالي.
-