-
أنطوان الأسمر -
يدخل الاستحقاق النيابي مرحلة دقيقة تتجاوز إطار النقاش القانوني البحت، لتلامس جوهر الصراع السياسي على السلطة وعلى مستقبل النظام الديمقراطي برمّته. فالسجال الأخير حول الرأي الصادر عن هيئة التشريع والاستشارات شكّل محطة كاشفة لمسار مقلق يرسم معالمه بوضوح: انتخابات مهددة، واستحقاق يُدفع عمدًا نحو المنطقة الرمادية، حيث تختلط الذرائع القانونية بالحسابات السياسية الضيقة.
يعكس الجدل الدائر حول صلاحيات الهيئة وتفسير دورها محاولة منظمة لإعادة فتح أبواب التأويل الدستوري على مصراعيها، بما يسمح بإنتاج سرديات متناقضة تُستخدم لاحقًا لتبرير أي خطوة تعطيلية. لا ينفصل هذا المسار عن سلوك تقليدي اعتمدته السلطة مرارًا عند كل استحقاق مفصلي: إدخال الملف في دوامة قانونية معقّدة، تستنزف الوقت وتربك الرأي العام، وتُفضي في نهاية المطاف إلى تسويات ظرفية عنوانها الظاهر تقني، فيما هدفها الحقيقي سياسي بامتياز.
أعطى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري إشارات إضافية إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فحديثه عن ضرورة إطلاق ورش عمل لتطبيق القوانين، وربط ذلك بمراجعة شاملة لمندرجات اتفاق الطائف، قاربته الأوساط السياسية كإشارة إلى نية فتح ملفات دستورية كبرى في توقيت بالغ الحساسية. مثل هذا الطرح، بدل أن يطمئن الداخل والخارج إلى جدّية إجراء الانتخابات، يثير مخاوف مشروعة من إدخال البلد في مسار طويل من الجدل الدستوري، يُستخدم كغطاء لتأجيل الاستحقاق أو حتى القفز فوقه بالكامل.
في المقابل، تعامل حزبا الكتائب والقوات اللبنانية مع رأي هيئة الاستشارات بوصفه فرصة سياسية لمواجهة هذا التوجه، فتم توظيف الموقف المتعلق بإلغاء المقاعد الستة المخصصة للمغتربين والدعوة إلى اقتراعهم في الداخل، كأداة ضغط سياسية في مواجهة رئيس المجلس. غير أن هذا الاشتباك، على حدّته، يبقى محكومًا بحسابات دقيقة، إذ لا يبدو أن أيًا من الأطراف قادر أو راغب في الذهاب حتى النهاية في معركة فرض الانتخابات في موعدها.
عند التدقيق في المشهد الأوسع، يتضح أن قوى السلطة، على اختلاف مواقعها وانتماءاتها، تلتقي ضمنيًا على اعتبار التمديد الخيار الأقل كلفة. إذ إن إجراء الانتخابات في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي الحاد، ومع ما يرافقه من قرارات إصلاحية موجعة تفرضها الجهات الدولية، يضع النواب أمام امتحان شعبي عسير. والقوانين المطلوبة لمعالجة الأزمة، من إعادة هيكلة المصارف إلى ضبط المالية العامة ورفع الدعم، تشكّل عبئًا سياسيًا ثقيلًا، لا يبدو أن أحدًا مستعد لتحمّله في لحظة انتخابية شديدة الحساسية.
من هنا، يبرز التمديد كخيار مريح للطبقة السلطوية، لأنه يسمح بتأجيل المواجهة مع الشارع، ويمنح القوى السياسية وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب أوراقها. غير أن هذا الهروب إلى الأمام لا يعالج جوهر الأزمة، بل يعمّقها، إذ يكرّس منطق تعطيل المؤسسات بدل إصلاحها، ويعيد إنتاج الأسباب ذاتها التي قادت إلى الانهيار. الأخطر من ذلك أن هذا المسار يُقدَّم للرأي العام بعناوين فضفاضة، مثل الضرورات التقنية أو الظروف الاستثنائية، في محاولة لإضفاء شرعية زائفة على خطوة تمسّ جوهر العملية الديمقراطية. بذلك، تتحوّل المعركة حول الانتخابات من نقاش إجرائي إلى مواجهة سياسية مفتوحة في معنى الدولة وحدود السلطة. فحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم لا يمكن اختزاله بحسابات ظرفية أو موازين قوى موقتة. كما أن إدخال الاستحقاق النيابي في بازار دستوري مفتوح، تحت شعارات إصلاحية شكلية، يعكس أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والطبقة الحاكمة، ويؤكد أن النظام السياسي بات عاجزًا عن إنتاج حلول من داخل منظومته.
أمام هذا الواقع، يصبح التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها، ورفض أي صيغة تمديدية، سواء كانت صريحة أم مقنّعة، معركة وجودية للحفاظ على ما تبقى من الحياة الديمقراطية. فلبنان الذي يتهاوى اقتصاديًا واجتماعيًا لا يحتمل فقدان آخر آليات المحاسبة السلمية. لذا تكتسب قضية اقتراع المغتربين وترشحهم في الخارج بُعدًا إضافيًا، إذ تمثّل شريانًا حيويًا لإعادة وصل الداخل اللبناني بجاليته المنتشرة في العالم، وتعزيز منسوب الضغط الشعبي في اتجاه التغيير.
لم يعد الاستحقاق النيابي مجرد محطة دستورية دورية، بل تحوّل إلى اختبار حاسم لقدرة اللبنانيين على انتزاع حقهم في التمثيل والمساءلة. وبين منطق التعطيل الممنهج وإرادة التغيير، يتحدد المسار السياسي للمرحلة المقبلة، إما نحو إعادة إنتاج المنظومة ذاتها، أو فتح نافذة أمل، لو ضيقة، في جدار الأزمة المستعصية.
-