-
أثارت القرارات المالية الأخيرة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام موجة واسعة من الجدل، لا سيّما بعد فرض رسم إضافي بنسبة 20 في المئة على صفيحة البنزين بهدف تمويل زيادة رواتب موظّفي القطاع العام. الزيادة، التي وُصفت بأنّها “ناقصة” قياساً بحجم الانهيار النقدي والتضخّم المتراكم، وضعت السلطة التنفيذية في مواجهة مباشرة مع الرأي العام، وسط تساؤلات عن عدالة توزيع الأعباء.
الحكومة برّرت خطوتها بالحاجة إلى تأمين موارد سريعة لتغطية كلفة تصحيح الأجور، في ظلّ عجز مالي مزمن وتراجع إيرادات الدولة. إلا أنّ فرض رسم على المحروقات في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على السيارات الخاصّة والمولّدات الكهربائية، يعني عملياً رفع كلفة النقل وأسعار السلع والخدمات، ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
في هذا السياق، برز اسم وزير الطاقة جو صدّي، باعتبار أنّ وزارة الطاقة تشرف على قطاع المحروقات وآلية التسعير. ورغم أنّ القرار صدر عن مجلس الوزراء مجتمعاً، يرى منتقدون أنّ الوزارة تتحمّل مسؤولية سياسية لكونها الجهة المعنية مباشرة بإدارة هذا القطاع، خصوصاً في ظلّ غياب إصلاحات بنيوية في ملفّ الكهرباء والطاقة كان يمكن أن تخفّف من اللجوء إلى الرسوم الاستهلاكية كمصدر تمويل.
سياسياً، تصاعد السجال داخل القوى المشاركة في الحكم، وسط اتّهامات بازدواجية المواقف بين ما يُقال داخل الجلسات الحكومية وما يُعلن في الإعلام. وكان لافتاً خلال جلسة مناقشة الموازنة تحذير رئيس التيار الوطني الحرّ، جبران باسيل، من التوسّع في الضرائب غير المباشرة، معتبراً أنّها تطال الفئات الفقيرة والمتوسّطة أوّلاً، داعياً إلى بدائل كتحسين الجباية ومكافحة التهرّب الضريبي وضبط الهدر في المؤسّسات العامة.
ولم يقتصر اعتراض التيار على الموقف السياسي، بل اتّخذ منحى قانونياً عبر إعلانه التقدّم بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة للطعن بقرار فرض الرسم على البنزين وطلب إبطاله ووقف تنفيذه. ويرتكز الطعن، وفق ما أُعلن، إلى اعتبارات دستورية ومالية تتعلّق بآلية فرض الضرائب ومدى انسجامها مع القوانين المرعية الإجراء. هذه الخطوة فتحت الباب أمام مواجهة قضائية قد تؤثّر على مسار تنفيذ القرار، وتضيف بعداً قانونياً إلى الأزمة السياسية والاقتصادية.
في المحصّلة، تجد حكومة نواف سلام نفسها أمام معادلة شائكة: حاجة ملحّة لتمويل القطاع العام ومنع انهيار إضافي في الإدارة، مقابل مخاوف جدّية من موجة غلاء جديدة تزيد الاحتقان الاجتماعي. وبين الضرورات المالية والاعتراضات السياسية والطعن القضائي، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثّل بداية إصلاح مالي متكامل، أم مجرّد حلّ ظرفي جديد يراكم الأعباء على المواطنين في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ لبنان الاقتصادي.
-