كان بدنا وفينا بس فضحونا (جوي جرجس)

  • 18 February 2026
  • 12 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    جوي جرجس-

    وعود كثيرة وكبيرة أطلقها حزب القوات منذ أربع سنوات مع حملة إعلامية إعلانية ضخمة ملأت الطرقات باليافطات الحمراء التي انطلقت بفكرة السخرية من عجز التيار الوطني الحر عن انجاز الكثير من الاصلاحات الكبرى التي بنى آماله عليها ليحققها في الحكم ومُنِع من تنفيذها عبر عرقلات كثيرة، تارةً بمنع التمويل عبر وزارة المالية وطوراً عبر التصويت ضدها في مجلس الوزراء من قِبَل القوى السياسية المتشاركة مصالحها في المنظومة السياسية الفاسدة رغم صراعاتها الظاهرية المبنية على نزاع اقليمي ودولي يُتَرجَم بتحديات ومناكفات تلبي طلبات المراجع الخارجية وتنفيذ الأدوات، فكلّهم أدوات.

    السخرية من عجز التيار أخذ مصطلح "ما خلونا" أداة سهلة للترويج للنكات وكأنّ العجز عن الانجاز نتيجة العرقلات هو أمر معيب في حين أنّ العيب الوحيد هو الوقوف مع المعرقلين ودعمهم ومساعدتهم والشراكة معهم في منع "بناء الدولة" والمؤسسات، من أجل النكايات السياسية وكسب الشعبية على ظهر فشل الآخرين.
    كُثُر سألوا من هم الذين "ما خلونا" وأرادوا أن يسمعوا الاتهام بشكل واضح ومباشر. في كل مرحلة وظرف وملف كانت العرقلة والموانع من جهة مختلفة ربما، لكنّ هذه الجهات تقاطعت مع بعضها بمعظم الملفات والظروف وساندت بعضها البعض في العرقلة ومنع التنفيذ. فالمشاكل تبدأ من مجلس الوزراء مجتمعاً حيث يحتاج أي مرسوم او قرار لأكثريات لا تتأمن عند الطلب، فتتم العرقلة برفض الأكثرية، وصولاً لتوقيع وزارة المالية المقدّس حيث تتم العرقلة في المراحل الأخيرة او التمهيد للانتقال للتنفيذ.
    الأكثرية اختلفت فيما بينها على ملف سلاح حزب الله، والصراعات الاقليمية والدولية والعلاقات الديبلوماسية الرسمية، والأحجام والتعيينات والحصص، لكنها كانت تتكاتف وتتساند لوقف أي مشروع إصلاحي او إنقاذي في أي مجال مالي او إقتصادي يغيّر مصير الأموال التي تغذّي منظومة الفساد من كارتيلات النفط والمحروقات لكارتيلات المولّدات والكسارات والإتصالات ومجلس الانماء والاعمار ومجلس الجنوب والهيئة العليا للاغاثة وصندوق المهجّرين وغيرها وصولاً إلى مافيا المصارف التي تآمرت على المودعين وأكلت حقوقهم بالشراكة مع المصرف المركزي وحاكمه السابق الذي وزّع هندسات مالية بالمليارات للمصارف وعجز عن رد أموال المودعين حين وقعت الكارثة.

    استغلّت القوات عجز التيار عن كسر المنظومة منفرداً، وشاركتها في مصالحها ومنافعها وعرقلته، وحين اقتربت الانتخابات النيابية السابقة عام ٢٠٢٢ شنّت حملتها الشهيرة الاستغلالية لتقدّم نفسها للناس كبديل قادر على الانجاز.
    قالت القوات "نحنا بدنا وفينا" مع لائحة من الوعود بخفض سعر صرف الدولار الى ما دون العشرين ألف ليرة خلال أيام، وإضاءة البلد عبر تحقيق انتاج الكهرباء ٢٤/٢٤ خلال أشهر قليلة، ووعدوا بإصلاحات مالية انقاذية كثيرة ونزع السلاح غير الشرعي وصولاً لتحويل لبنان الى جنّة كان ينتظرها اللبنانيون بعد انهيار مالي وانفجار المرفأ وجائحة كورونا وتأثيرها ومخلّفاتها ... 

    كل هذه الوعود أثمرت فائض أصوات انتخابية بعد خناق كان يعاني منه اللبنانيون، واستنجدوا بالتغيير أياً يكن هذا التغيير، حتى لو كان عبر ميليشيا تاريخها إجرامي ومجازر لا يمكن نسيانها مع حِلّة جديدة ووجوه مختلفة وشخصيات غير مستهلكة او محروقة اعلامياً.
    "نقشت" مع القوات وحصدت كتلة نيابية وازنة، ودخلت جنّة السلطة من بابها العريض عبر تهميش التيار واختزاله وأخذ مكانه في الوزارات والتعيينات. أصرّت القوات على نيل حقائب أساسية كانت للتيار بدل أن تكون معركتها لكسر حصرية المالية بيد حركة أمل وربطها بطائفة ومذهب مثلاً. احتفلت القوات بالحقائب الوزارية عبر رقص الدبكة في معراب، ثم شاركت بالمحاصصة الجديدة على قدر ما أعطوها، كما سعت لتعيين هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء رغم أنّ مشكلة قانونية تحول دون ممارستها صلاحياتها وتنظيمها كما يجب، لكنّ النكايات أولوية قواتية وتعيين المحسوبيات في كل مواقع الفراغ الوظيفي والاداري كان همّها الرئيسي.

    مرّت سنة على نعيم القوات في الوزارات والحقائب والتعيينات الادارية، ولم يشهد اللبنانيون أي تغيير فعلي وملموس. بقي سعر الصرف مرتفع، وغلاء المعيشة يتزايد، والكهرباء من سيء لأسوأ، والقضاء حدّث ولا حرج. وأكثر من ذلك برزت ملفات فساد واضحة على القوات في الوزارات مع فضيحة الفيول الروسي المنشأ الذي كان يتم تزوير اوراقه وتحويله لمصادر أخرى مع أسعار مختلفة وسمسرات ربح كبير من فارق الأسعار والتزوير.


    انتظر اللبنانيون النور بدل الظلمة فحلّت عليهم ظلمة أطول وأكبر، وأغرقتهم حكومة العهد الجديد بالضرائب والرسوم بدل الاصلاحات والانقاذ، داست على حقوق المودعين وقضمت جزءا كبيرا من الودائع بتصنيفات وتحويل لأسهم وسندات وغيرها من الخزعبلات.
    تآمرت على الفقراء واستكثرت عليهم حتى التنقلات، فرفعت أسعار المحروقات بنسبة خيالية بحجّة زيادة رواتب لم تحصل بعد ولن تكون على أساس راتب العسكريين والقطاع العام بل "مساعدات" ومساهمات ظرفية.

    يعيش اللبنانيون دون كهرباء ودون مياه ودون مشاريع انقاذية مخطط لها كي تنفّذ، دون اصلاحات مالية، دون إعادة هيكلة للمصارف ودون تدقيق مالي جنائي يكشف حركة المال العام والسرقات، دون قضاء يحاسب ويجازي، دون معرفة حقيقة أي من القضايا الكبرى التي لا تزال جراحها مفتوحة.
    تحاول القوات تخطي فشلها الذريع عبر ايهام الناس ببطولات بمواجهة سلاح حزب الله الذي ارتبط مصيره بمصير عسكري وقرارات دولية خارجية وتنفيذ اتفاقات نتيجة هزيمة في حرب اسناد فشلت في الوصول الى مبتغاها، لا بسبب بطولات قواتية ولا عضلات سياسية داخلية.

    مع اقتراب نهاية ولاية المجلس النيابي الحالي انتهت مسخرة الشعارات القواتية الواهية وغير المقنعة، وأصبح الرأي العام الممتعض من سوء الوضع الحالي ينتظر كيف ستكون وعود القوات في الحملات الانتخابية المقبلة، لأنه قد "جرّب المجرّب" فما على القوات الا القول بصراحة "نحنا كان بدنا وفينا بس فضحونا"