خطر بدائل السكر.. دراسة تربط المُحليات بتراجع القدرات العقلية

  • 11 August 2026
  • 42 mins ago
    • Health
  • source: الجزيرة
    • article image
    ارتبط استهلاك كميات مرتفعة من بعض المُحليات المستخدمة في المشروبات الغازية الخالية من السكر "الدايت" والمنتجات الشبيهة بتراجع أسرع في الذاكرة والقدرات الذهنية، وفق دراسة تابعت نحو 13 ألف بالغ على مدار 8 سنوات.

    الدراسة، التي نُشرت في مجلة نيورولوجي التابعة للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب، وجدت أن سرعة التراجع المعرفي لدى الأكثر استهلاكا للمحليات كانت أعلى بنسبة 62% مقارنة بمن تناولوا أقل الكميات.

    وقد تعادل الكمية التي تناولها بعض المشاركين ما يوجد تقريبا في عبوة واحدة من المشروبات الغازية "الدايت" يوميا، لكن الباحثين شددوا على أن النتائج ترصد علاقة إحصائية، ولا تثبت أن المحليات كانت السبب المباشر في تراجع القدرات العقلية.

    متابعة 8 سنوات
    اعتمد الباحثون على بيانات 12 ألفا و772 مشاركا في "الدراسة البرازيلية الطولية لصحة البالغين"، وهي دراسة واسعة شملت موظفين حكوميين من مناطق مختلفة في البرازيل.

    وبلغ متوسط أعمار المشاركين نحو 52 عاما، وخضعوا للمتابعة خلال 3 مراحل امتدت من عام 2008 إلى عام 2019.

    وفي بداية الدراسة، قدم المشاركون معلومات تفصيلية عن الأطعمة والمشروبات التي اعتادوا تناولها خلال العام السابق، واستخدم الباحثون هذه البيانات لتقدير كمية المحليات منخفضة أو عديمة السعرات التي يحصلون عليها يوميا.

    وشملت الدراسة 7 محليات هي الأسبارتام، والسكرين، وأسيسلفام البوتاسيوم، والإريثريتول، والزيليتول، والسوربيتول، والتاغاتوز.

    ولا تنتمي هذه المواد جميعا إلى الفئة نفسها؛ فالأسبارتام والسكرين وأسيسلفام البوتاسيوم محليات شديدة الحلاوة، في حين يُصنف الإريثريتول والزيليتول والسوربيتول ضمن ما يعرف بكحولات السكر.

    اختبارات للذاكرة والتفكير
    خضع المشاركون لاختبارات معرفية في بداية الدراسة وأثناء المتابعة، لقياس الذاكرة والطلاقة اللفظية وسرعة معالجة المعلومات واسترجاع الكلمات والقدرة العامة على التفكير.

    وقسم الباحثون المشاركين إلى 3 مجموعات وفق متوسط استهلاكهم اليومي من المحليات. وبلغ متوسط الاستهلاك نحو 20 مليغراما يوميا لدى المجموعة الأقل، و66 مليغراما لدى المجموعة المتوسطة، و191 مليغراما لدى المجموعة الأعلى استهلاكا.

    وبعد مراعاة عوامل قد تؤثر في القدرات العقلية، مثل العمر والجنس ومستوى التعليم والدخل والنشاط البدني والتدخين وضغط الدم وأمراض القلب والسكري، سجل أصحاب الاستهلاك الأعلى تراجعا أسرع في نتائج اختبارات الإدراك العام.

    ماذا تعني نسبة 62%؟
    لا تعني النتيجة أن المشاركين فقدوا 62% من ذاكرتهم أو من قدراتهم على التفكير. لكنها تعني أن معدل الانخفاض في نتائج الاختبارات المعرفية كان أسرع لدى المجموعة الأعلى استهلاكا مقارنة بالمجموعة التي تناولت أقل كمية من المحليات.

    وقدّر الباحثون أن الفارق بين المجموعتين يعادل نحو 1.6 سنة إضافية من الشيخوخة المعرفية خلال فترة المتابعة التي امتدت 8 سنوات.

    أما المجموعة متوسطة الاستهلاك، فسجلت معدل تراجع معرفي أسرع بنحو 35% مقارنة بالمجموعة الأقل استهلاكا.

    ولم تدرس الورقة إصابة المشاركين بالخرف أو مرض ألزهايمر، كما لا تعني نتائجها أن من يستهلكون المشروبات "الدايت" سيصابون بهذه الأمراض.

    6 محليات ارتبطت بالتراجع
    وجد الباحثون ارتباطا بين استهلاك 6 من المحليات التي شملتها الدراسة وتراجع أسرع في بعض وظائف الذاكرة والتفكير. وشملت القائمة الأسبارتام، والسكرين، وأسيسلفام البوتاسيوم، والإريثريتول، والسوربيتول، والزيليتول.

    في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطا واضحا بين التاغاتوز والتراجع المعرفي، لكن ذلك لا يثبت أنه يتمتع بميزة صحية أو أنه آمن بصورة مطلقة؛ بل يعني فقط أن الدراسة لم ترصد علاقة إحصائية واضحة في العينة التي تابعتها.

    كما لم تشمل الدراسة عددا من المحليات الأخرى واسعة الاستخدام، مثل السكرالوز وستيفيا، ولذلك لا يمكن تعميم النتائج عليها.

    تأثير أوضح قبل سن الـ60
    ظهر الارتباط بصورة أكثر وضوحا لدى المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 60 عاما، خصوصا في اختبارات الطلاقة اللفظية والقدرة العامة على التفكير. ولم يرصد الباحثون العلاقة نفسها بالقوة ذاتها لدى المشاركين الأكبر سنا.

    وكان الارتباط أيضا أكثر وضوحا لدى المصابين بالسكري، وهي نتيجة لافتة لأن هذه الفئة قد تعتمد بصورة أكبر على الأطعمة والمشروبات الخالية من السكر للمساعدة في ضبط مستويات الغلوكوز.

    لكن الباحثين أشاروا إلى احتمال وجود عوامل أخرى تفسر جزءا من النتائج، مثل الحالة الصحية الأساسية، ونوعية الغذاء، وكثرة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة.

    هل تتأثر بكتيريا الأمعاء؟
    يتزامن الاهتمام بتأثير المحليات في الدماغ مع أبحاث أخرى تدرس علاقتها ببكتيريا الأمعاء، التي تؤدي أدوارا مهمة في عمليات الأيض والمناعة والتواصل بين الجهاز الهضمي والدماغ.

    وفي دراسة مخبرية منفصلة أجراها باحثون من جامعة كامبردج، اختُبر تأثير 39 نوعا من المحليات في 25 سلالة من بكتيريا الأمعاء.

    ووجد الباحثون أن عددا كبيرا من المحليات المختبرة أثّر في نمو نوع واحد على الأقل من البكتيريا، كما تغيرت بعض التأثيرات عند الجمع بين المحليات ومواد أخرى، مثل الكافيين والمنكهات وبعض الأدوية.

    لكن هذه النتائج أُجريت داخل المختبر، ولا تثبت أن التأثير نفسه يحدث داخل أمعاء الإنسان، أو أنه يؤدي إلى تراجع الذاكرة والقدرات العقلية.

    هل المحليات هي السبب؟
    تعتمد الدراسة البرازيلية على الملاحظة، وليست تجربة سريرية عشوائية؛ أي أن الباحثين لم يطلبوا من مجموعة تناول المحليات ومنعوا مجموعة أخرى منها، ثم قارنوا النتائج.

    وبدلا من ذلك، تابعوا العادات الغذائية للمشاركين، ثم درسوا العلاقة بينها وبين التغير في اختبارات الذاكرة والتفكير. وهذا النوع من الدراسات يستطيع رصد الارتباطات، لكنه لا يستطيع إثبات السبب والنتيجة بصورة قاطعة.

    كما اعتمد تقييم النظام الغذائي على قدرة المشاركين على تذكر ما كانوا يتناولونه، وهي طريقة قد تتأثر بالنسيان أو التقدير غير الدقيق.

    وجرى تقييم استهلاك المحليات أساسا عند بداية الدراسة، رغم احتمال تغير العادات الغذائية وتركيبات المنتجات خلال السنوات التالية.

    واقتصرت العينة على موظفين حكوميين في البرازيل، وهو ما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع السكان والدول.

    هل المحليات آمنة؟
    تقول إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إن المحليات المعتمدة للاستخدام في الأغذية لا تثير مخاوف تتعلق بالسلامة عند تناولها ضمن الحدود والشروط المسموح بها.

    كما أبقت لجنة الخبراء المشتركة التابعة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة الحد المقبول يوميا للأسبارتام عند 40 مليغراما لكل كيلوغرام من وزن الجسم.

    لكن وجود حد يومي آمن من الناحية السمية لا يعني بالضرورة أن الاعتماد طويل الأمد على المحليات يحقق فوائد صحية أو يساعد على الوقاية من الأمراض المزمنة.

    وفي عام 2023، أوصت منظمة الصحة العالمية بعدم استخدام المحليات غير السكرية وسيلة طويلة الأمد للتحكم في الوزن أو الحد من مخاطر الأمراض غير المعدية.

    وأوضحت المنظمة أن مراجعة الأدلة لم تظهر فائدة مؤكدة ومستدامة في خفض دهون الجسم لدى البالغين أو الأطفال، مع وجود مؤشرات صحية تحتاج إلى مزيد من البحث.

    هل تجب العودة إلى السكر؟
    لا تعني النتائج أن السكر هو البديل الأفضل، أو أن على المصابين بالسكري الاستعاضة بالسكر عن المحليات بصورة مفاجئة. فتناول كميات كبيرة من السكر يرتبط بزيادة الوزن وتسوس الأسنان وارتفاع مخاطر اضطرابات الأيض، كما قد يسبب صعوبات في التحكم بمستويات الغلوكوز لدى مرضى السكري.

    وتشير الدراسة بدلا من ذلك إلى ضرورة عدم التعامل مع عبارة "دايت" أو "خالٍ من السكر" بوصفها دليلا كافيا على أن المنتج صحي.

    ويمكن تقليل الاعتماد تدريجيا على المشروبات شديدة الحلاوة، سواء كانت محلاة بالسكر أو ببدائله، والاتجاه إلى الماء والمشروبات غير المحلاة والأطعمة الكاملة قدر الإمكان.

    وينبغي لمرضى السكري مناقشة أي تغيير جوهري في نظامهم الغذائي مع الطبيب أو اختصاصي التغذية، لأن القرار يتأثر بالأدوية والوزن ومستوى التحكم في سكر الدم والنظام الغذائي بأكمله.

    إذن، فالدراسة المنشورة في سبتمبر/أيلول 2025 تضيف دليلا جديدا إلى النقاش العلمي بشأن التأثيرات طويلة الأمد للمحليات المنخفضة السعرات أو الخالية من السعرات.

    فقد ارتبط الاستهلاك الأعلى لبعض هذه المواد بتراجع أسرع في الذاكرة والتفكير، خصوصا لدى البالغين دون الـ60 والمصابين بالسكري.

    لكن النتائج لا تثبت أن علبة واحدة من المشروبات الغازية "الدايت" تسبب تلف الدماغ، ولا تعني أن المشاركين فقدوا 62% من قدراتهم العقلية.

    والرسالة الأكثر دقة ليست العودة إلى السكر، وإنما تقليل الاعتماد على المنتجات شديدة الحلاوة والأطعمة فائقة المعالجة، إلى أن توفر التجارب السريرية والدراسات الطويلة الأمد إجابات أكثر حسما.