في كل عام تظهر حميات جديدة تعد بخسارة سريعة للوزن، أو تطلب منع الكربوهيدرات تمامًا، أو تشجع على تناول الدهون بلا حدود. ثم تختفي كثير من هذه الحميات بالسرعة نفسها التي ظهرت بها. أما حمية البحر المتوسط (Mediterranean Diet) فتعود باستمرار إلى صدارة التصنيفات العالمية.
ففي تقييم "أفضل الحميات" لعام 2025 الصادر عن مجلة "يو إس نيوز آند وورلد ريبورت"، قيّمت لجنة تضم 69 خبيرا 38 نظاما غذائيا وفق معايير شملت الاكتمال الغذائي، والفوائد والمخاطر الصحية، وقوة الأدلة، وسهولة الالتزام بالنظام على المدى الطويل. وحصلت حمية البحر المتوسط على 4.8 نقاط من 5، وهو أعلى تقييم إجمالي، لتتصدر القائمة للعام الثامن على التوالي.
ومع ذلك، فهذا التصنيف ليس دراسة سريرية محكّمة، بل تقييم أعدته لجنة من الخبراء. أما المكانة العلمية لحمية البحر المتوسط فلا تقوم على التصنيفات الإعلامية وحدها، وإنما على مجموعة كبيرة من الدراسات الرصدية والتجارب السريرية التي اختبرت تأثيرها في أمراض القلب والسكري والصحة على المدى الطويل.
فهل يصح فعلا وصفها بأنها "أفضل حمية غذائية في العالم"؟ وما الذي يجعلها مختلفة عن عشرات الأنظمة الغذائية الأخرى؟ وهل تأتي فوائدها من زيت الزيتون وحده، أم من شيء أعمق من ذلك؟
الإجابة المختصرة هي أنه لا يوجد نظام غذائي واحد مثالي لكل الناس ولكل الحالات الصحية. ومع ذلك، تجمع حمية البحر المتوسط بين ثلاث خصائص قلّما تجتمع في حمية واحدة: قوة الدليل العلمي، والتوازن الغذائي، وسهولة الاستمرار عليها. ولهذا تُعدّ من أفضل الأنماط الغذائية التي درسها العلم، ولا سيما لحماية القلب والأوعية الدموية.
هل توجد فعلا حمية هي الأفضل للجميع؟
تحتاج عبارة "أفضل حمية في العالم" إلى قدر من الدقة. فقد تكون حمية "الأساليب الغذائية لوقف ارتفاع ضغط الدم"، والتي تسمى اختصارا حمية "داش، DASH" (Dietary Approaches to Stop Hypertension)، أنسب لمن يركز على خفض ضغط الدم، وقد تكون حمية "بورتفوليو، Portfolio" أكثر فاعلية في خفض الكوليسترول الضار، وقد يحتاج المصاب بمرض كلوي أو حساسية غذائية أو اضطراب هضمي إلى تعديلات خاصة.
لذلك، فالأدق علميًا أن نقول إن حمية البحر المتوسط ليست النظام الوحيد الصحي، لكنها واحدة من أكثر الأنماط الغذائية دراسةً، ومن أكثرها اتساقًا في النتائج، خصوصًا فيما يتعلق بالوقاية من أمراض القلب والسكري وتحسين الصحة الاستقلابية.
ما هي حمية البحر المتوسط؟
حمية البحر المتوسط ليست قائمة من الأطباق الإيطالية، وليست طبق معكرونة يُسكب فوقه زيت الزيتون. كما أنها لا تمثل مطبخ دولة واحدة، بل هي عائلة من الأنماط الغذائية التقليدية التي تطورت في مجتمعات متعددة حول البحر المتوسط، من المغرب وإسبانيا إلى إيطاليا واليونان وبلدان المشرق.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو حمية البحر المتوسط ضمن التراث الثقافي غير المادي، لأنها لا تشمل الطعام وحده، بل تشمل الزراعة والأسواق المحلية وطرق الطهي والعادات الاجتماعية والاجتماع حول المائدة.
ورغم اختلاف الكسكس المغربي عن السلطة اليونانية وأطباق العدس في المشرق، فإن هناك قاسمًا مشتركًا واضحًا بين هذه المطابخ: وفرة الأغذية النباتية قليلة التصنيع، واستخدام زيت الزيتون مصدرًا رئيسيًا للدهون، والإكثار من الخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة والمكسرات، وتناول الأسماك بانتظام، مع تقليل اللحوم الحمراء والمصنعة والحلويات والمشروبات المحلاة.
ويعتمد هذا النمط بصورة عامة على:
تناول الخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة والمكسرات بانتظام.
استخدام زيت الزيتون مصدرًا رئيسيًا للدهون.
تناول الأسماك والمأكولات البحرية بانتظام.
تناول معتدل للبيض والدواجن ومنتجات الحليب.
تقليل اللحوم الحمراء، وخصوصًا اللحوم المصنعة.
تقليل الحلويات والمشروبات المحلاة والأغذية فائقة التصنيع.
استخدام الأعشاب والتوابل والثوم والليمون لإضافة النكهة بدل الإفراط في الملح.
سر القوة: النمط الكامل لا الطعام الخارق
يميل الخطاب الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي إلى البحث عن بطل واحد أو متهم واحد: زيت الزيتون ينقذنا، أو السكر يفسد كل شيء، أو نوع معين من الطعام يحرق الدهون. لكن الجسم لا يتعامل مع الأطعمة في عزلة؛ فما يهم هو النمط الغذائي الذي يتكرر كل يوم، وما يحل محل ماذا داخل الوجبة.
عندما يحل زيت الزيتون محل الزبدة والسمن الغنيين بالدهون المشبعة، تتحسن نوعية الدهون في الغذاء. وعندما يحل العدس والحمص والفاصولياء والأسماك محل جزء من اللحوم المصنعة، يقل استهلاك الملح والدهون المشبعة وبعض المركبات المرتبطة بارتفاع الخطر القلبي.
وعندما تحل الفاكهة أو المكسرات محل الحلويات والمقرمشات، ترتفع كمية الألياف والمغذيات، وتنخفض كمية السكريات المضافة. ولذلك لا تأتي فائدة حمية البحر المتوسط فقط مما تضيفه إلى الطعام، بل أيضًا مما تُزيحه من المائدة.
دهون أفضل بدل الخوف من جميع الدهون
حمية البحر المتوسط ليست قليلة الدهون بالضرورة، لكنها تهتم بنوع الدهون أكثر من اهتمامها بكمية الدهون وحدها. فزيت الزيتون والمكسرات غنيان بالدهون غير المشبعة، كما توفر الأسماك الدهنية أحماض أوميغا-3.
وعندما تحل هذه الدهون محل الدهون المشبعة، يمكن أن يتحسن مستوى الكوليسترول الضار ووظيفة الأوعية الدموية. ويحتوي زيت الزيتون البكر أيضًا على مركبات فينولية ذات خصائص مضادة للأكسدة، وقد تسهم في حماية الدهون الموجودة في الدم من الأكسدة ودعم صحة بطانة الأوعية.
لكن هذا لا يعني أن زيت الزيتون دواء سحري. فسكبه فوق وجبة غنية باللحوم المصنعة والدقيق المكرر والملح لا يحولها تلقائيًا إلى وجبة صحية. كما أن إضافته بكميات كبيرة إلى الطعام بدل استخدامه بديلًا عن دهون أقل جودة قد يزيد كمية الطاقة المستهلكة من دون فائدة إضافية واضحة.
ألياف تغذي الإنسان وبكتيريا أمعائه
توفر الخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة والمكسرات خليطًا واسعًا من الألياف الغذائية. وتساعد هذه الألياف على الإحساس بالشبع، وإبطاء امتصاص الغلوكوز، وتحسين التحكم في سكر الدم، وتقليل امتصاص جزء من الكوليسترول داخل الأمعاء.
كما تخمر بكتيريا الأمعاء جزءًا من هذه الألياف، فتنتج أحماض دهنية قصيرة السلسلة قد تسهم في دعم الحاجز المعوي وتنظيم الاستقلاب والمناعة. ولا تكمن الفائدة في الألياف وحدها، بل في تنوع مصادرها.
فطبق يحتوي على أنواع مختلفة من الخضراوات والبقول والحبوب الكاملة يخدم ميكروبيوم الأمعاء بصورة أفضل من الاعتماد على مكمل واحد من الألياف.
خفض الالتهاب والإجهاد التأكسدي
تقدم الخضراوات والفواكه والأعشاب والتوابل وزيت الزيتون والمكسرات طيفًا واسعًا من الفيتامينات والبوليفينولات والمركبات المضادة للأكسدة.
ولا تعمل هذه المركبات كأدوية منفردة، لكنها ضمن نمط غذائي متكامل قد تساعد على خفض بعض مسارات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وتحسين حساسية الإنسولين ووظيفة بطانة الأوعية الدموية.
وهذا مهم لأن الالتهاب المزمن منخفض الدرجة والإجهاد التأكسدي ومقاومة الإنسولين عوامل تشارك في تطور تصلب الشرايين والسكري من النوع الثاني والكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب.
تقليل الأغذية فائقة التصنيع تلقائيا
عندما تُبنى الوجبات حول الخضراوات والبقول والحبوب الكاملة والأسماك وزيت الزيتون، تضيق المساحة المتاحة للمشروبات المحلاة واللحوم المصنعة والحلويات والوجبات الجاهزة. وهذه نقطة أساسية في فهم نجاح حمية البحر المتوسط.
فالفائدة لا تعود فقط إلى وجود مكونات مفيدة، بل كذلك إلى قلة الأغذية التي تجمع كميات كبيرة من الملح والسكريات المضافة والدهون الرديئة والنشويات المكررة في منتجات يسهل الإفراط في تناولها.
تأتي أشهر النتائج من تجربة "بريديميد" الإسبانية PREDIMED (Prevención con Dieta Mediterránea)، التي شملت 7447 شخصا معرضين لخطر مرتفع للإصابة بأمراض القلب، لكنهم لم يكونوا قد أصيبوا بعد بمرض قلبي وعائي.
وُزّع المشاركون على ثلاث مجموعات: حمية متوسطية مدعمة بزيت الزيتون البكر، وحمية متوسطية مدعمة بالمكسرات، ومجموعة تلقت نصائح لتقليل الدهون.
وبعد متابعة وسطية قاربت 4.8 سنوات، انخفض الخطر النسبي لمجموع النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات القلبية بنحو 28 إلى 31% في مجموعتي حمية البحر المتوسط مقارنة بالمجموعة الضابطة.
اكتُشف لاحقًا خلل في إجراءات التوزيع العشوائي لدى بعض المراكز المشاركة، فأعيد نشر الدراسة في عام 2018 بعد إجراء تحليل مصحح. وهذه نقطة منهجية لا ينبغي إخفاؤها، لكن النتيجة الأساسية بقيت متقاربة بعد التصحيح واستبعاد الحالات المتأثرة.
ثم جاءت دراسة كورديوبرف (CORDIOPREV (Coronary Diet Intervention With Olive Oil and Cardiovascular Prevention))، لتختبر الحمية لدى 1002 مريض مصاب بالفعل بمرض الشرايين التاجية.
وبعد سبع سنوات، وقعت أحداث قلبية وعائية كبرى لدى 17.3% من مجموعة حمية البحر المتوسط، مقابل 22.2% لدى مجموعة الحمية قليلة الدهون، أي بانخفاض نسبي يقارب 26%.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن المقارنة لم تكن مع نظام غذائي غربي رديء، بل مع حمية قليلة الدهون تلقى أصحابها بدورهم إرشادًا غذائيًا مكثفًا.
السكري: فائدة حقيقية، لكن لا ننسب كل شيء إلى الحمية وحدها
تشير التجارب والمراجعات العلمية إلى أن حمية البحر المتوسط قد تحسن حساسية الإنسولين وضبط سكر الدم، وتخفض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
وفي تجربة "بريديميد بلس" المنشورة عام 2025، انخفض ظهور السكري بنحو 31% لدى مجموعة اتبعت حمية متوسطية منخفضة الطاقة مع نشاط بدني ودعم مهني، مقارنة بمجموعة اتبعت حمية متوسطية من دون تقييد للطاقة.
لكن من غير الدقيق أن ننسب هذا الانخفاض إلى الطعام وحده، لأن التدخل جمع بين تعديل الغذاء وزيادة النشاط البدني والدعم السلوكي وخفض استهلاك الطاقة. وتوضح هذه النتيجة أن الحمية تكون أكثر فاعلية عندما تصبح جزءًا من نمط حياة متكامل.
السكري - Doctor use digital glucose monitor measure and test stripe for check diabetes from finger blood sugar level.
حمية البحر المتوسط قد تحسن حساسية الإنسولين وضبط سكر الدم (شترستوك)
طول العمر والدماغ والسرطان: نتائج واعدة بدرجات متفاوتة
في دراسة رصدية تابعت 25,315 امرأة مدة قاربت 25 عاما، ارتبط الالتزام الأعلى بحمية البحر المتوسط بانخفاض خطر الوفاة من جميع الأسباب بنسبة 23%. وقد فسرت مؤشرات الالتهاب ومقاومة الإنسولين وبعض الجزيئات الاستقلابية والبروتينات الدهنية الغنية بالدهون الثلاثية جزءًا من هذا الارتباط.
لكن كلمة "ارتبط" مهمة هنا؛ فالدراسة الرصدية لا تثبت أن الحمية هي السبب المباشر في انخفاض الوفيات كما تفعل التجارب العشوائية. فقد يختلف الأشخاص الذين يلتزمون بنظام غذائي صحي عن غيرهم في النشاط البدني والتدخين والتعليم والحصول على الرعاية الصحية.
كما تربط دراسات وتحليلات حديثة حمية البحر المتوسط بانخفاض احتمال التدهور المعرفي وبعض أنواع السرطان. غير أن قوة الدليل في هذه المجالات أقل تجانسًا من الدليل المتعلق بأمراض القلب.
لذلك لا ينبغي تقديم الحمية بوصفها وسيلة مضمونة لمنع الخرف أو السرطان، بل باعتبارها جزءًا معقولًا من الوقاية الشاملة التي تشمل عدم التدخين والنشاط البدني والفحوص الطبية والتطعيمات والعلاج عند الحاجة.
لماذا يسهل الاستمرار عليها؟
تنجح كثير من الحميات بضعة أسابيع ثم تفشل على المدى الطويل، لأن الإنسان لا يستطيع العيش داخل جدول غذائي جامد. أما حمية البحر المتوسط فلا تحظر مجموعة غذائية كاملة، ولا تتطلب حساب كل لقمة، ولا تفرض شراء منتجات أو مكملات خاصة. ويمكن أن تكون نباتية بدرجة كبيرة أو أن تتضمن السمك والدجاج، كما يمكن تكييفها مع المطبخ المحلي والميزانية والموسم.
ويحتفظ الطعام فيها بالمتعة؛ فالتوابل والأعشاب والثوم والليمون وزيت الزيتون تمنح الأطباق نكهة جيدة من دون الاعتماد المستمر على السكر أو الملح. كما تزيد الألياف والدهون غير المشبعة والبروتينات النباتية الإحساس بالشبع، ما يجعل النظام قابلًا للاستمرار أكثر من حمية تقوم على الحرمان الصارم. وهذه القدرة على الاستمرار ليست تفصيلًا ثانويًا؛ فأفضل حمية على الورق لا تنفع إذا كان الناس لا يستطيعون اتباعها.
ليست حمية للأثرياء ولا تحتاج إلى السلمون والأفوكادو
سوّقت بعض الكتب وحسابات التواصل الاجتماعي لنسخة باهظة الثمن من حمية البحر المتوسط، مليئة بالسلمون المستورد والأفوكادو والكينوا. لكن هذا يناقض جذورها الشعبية.
يمكن بناء هذا النمط من العدس والحمص والفول والفاصولياء والسردين والحبوب المحلية والخضراوات الموسمية وزيت الزيتون. بل إن المغرب من الدول التي شاركت في تسجيل حمية البحر المتوسط لدى اليونسكو.
وفي المطبخ العربي توجد القاعدة أصلًا: شوربة العدس، والحمص، والفول، والكسكس بالخضراوات، والخبز الكامل، والسلطات، والسردين، وزيت الزيتون، واللبن الطبيعي، والمكسرات. المشكلة ليست غياب هذه الأطعمة عن ثقافتنا، بل تراجعها أحيانا أمام المشروبات المحلاة واللحوم المصنعة والوجبات السريعة والدقيق الأبيض المستهلك بكميات كبيرة.
يعد قلي الطعام بزيت الزيتون البكر خطأ فادحا. فبمجرد أن يسخن الزيت ويصل إلى درجة حرارة عالية، سيتصاعد منه دخان، ما سيؤثر على طعم طبقك ويجعله غير صحي.
خمس مغالطات شائعة عن حمية البحر المتوسط
1- زيت الزيتون وحده يكفي
الفائدة تخص النمط الكامل، لا زيت الزيتون وحده. كما أن زيت الزيتون غني بالطاقة، ولذلك يفيد عندما يحل محل دهون أقل جودة، لا عندما يضاف بكميات كبيرة إلى غذاء رديء.
2- كل طعام يأتي من بلد متوسطي صحي
البيتزا الغنية باللحوم المصنعة، والمعجنات، والحلويات التقليدية تظل أطعمة ينبغي عدم الإكثار منها، حتى لو جاءت من بلد يطل على البحر المتوسط.
3- إنها أفضل حمية لإنقاص الوزن
قد تساعد حمية البحر المتوسط على ضبط الوزن، لكنها لم تُصمم أساسًا للتنحيف ولا تلغي توازن الطاقة. وقد تتفوق أنظمة أخرى لدى بعض الأشخاص إذا كان الالتزام بها أفضل.
4- النبيذ عنصر ضروري في الحمية
هذا غير صحيح. لا يحتاج الإنسان إلى الكحول للحصول على فوائد النمط المتوسطي، ولا ينبغي أن يبدأ بتناوله من أجل الصحة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن استهلاك الكحول ليس خاليًا من المخاطر حتى عند المستويات المنخفضة.
المغالطة الخامسة: الحمية تغني عن الدواء.
حمية البحر المتوسط أداة مهمة للوقاية والعلاج المساند، لكنها لا تستبدل أدوية ضغط الدم أو السكري أو خفض الكوليسترول عندما يصفها الطبيب.
كيف نحولها إلى عادة يومية؟
لا يحتاج الانتقال إلى حمية البحر المتوسط إلى ثورة في المطبخ. يمكن البدء بتغييرات بسيطة ومتكررة: جعل الخضراوات جزءًا أساسيًا من الغداء والعشاء، واستبدال بعض وجبات اللحم بالبقول، واختيار الحبوب الكاملة في بعض الوجبات، وتناول السمك بانتظام، وجعل الفاكهة أو اللبن الطبيعي بديلًا شائعًا للحلوى، واستخدام زيت الزيتون بدل الزبدة والسمن متى كان ذلك مناسبًا.
والهدف ليس بلوغ الكمال. فتحسين معظم الوجبات أفضل من الالتزام الصارم أيامًا قليلة ثم التوقف تمامًا.
كما ينبغي تكييف النمط مع الحالة الصحية؛ فالمصاب بمرض كلوي، أو بحساسية من المكسرات، أو بمشكلة هضمية معينة، قد يحتاج إلى توجيه من طبيب أو مختص في التغذية.
في النهاية، لا تستحق حمية البحر المتوسط مكانتها لأنها تحمل اسم بحر جميل، ولا لأن زيت الزيتون "دواء"، ولا لأنها وصفة سحرية لطول العمر. تستحق هذه المكانة لأنها تجمع مبادئ غذائية ثبتت فائدتها مرارًا: أغذية نباتية متنوعة، ودهون غير مشبعة، وبقول وحبوب كاملة وأسماك، مع تقليل اللحوم المصنعة والسكريات المضافة والأغذية فائقة التصنيع.
وهي لا تحتكر الصحة؛ فأنماط مثل حمية "داش" والحمية النباتية المتوازنة تشترك معها في معظم هذه المبادئ، وقد تكون مساوية لها أو أنسب لبعض الناس. لكن ما يميز النموذج المتوسطي هو اجتماع ثلاثة أشياء يصعب اجتماعها: دليل علمي قوي، وغذاء متوازن، ونمط ممتع ومرن يمكن أن يصبح طريقة عيش لا مشروعًا غذائيًا مؤقتًا.
لذلك، قد لا تكون العبارة الأدق هي أن حمية البحر المتوسط "أفضل حمية في العالم"، بل إنها واحدة من أفضل الخرائط التي نملكها للعودة إلى طعام بسيط ومتوازن يستطيع الإنسان الاستمرار عليه. وفي التغذية، الاستمرار هو الذي يحوّل المعرفة إلى صحة.