سلاح ذو حدين.. لماذا قررت إنفيديا تموّيل زبائنها؟

  • 01 September 2026
  • 44 mins ago
    • Business
  • source: Skynews
    • article image
    بعد مرور ما يقارب أربع سنوات على طفرة الذكاء الاصطناعي، التي درّت على شركة إنفيديا مئات المليارات من الدولارات من الأرباح، بدأت صانعة الرقائق الأميركية بتوظيف قوتها المالية بشكل متزايد للحفاظ على إقبال العملاء على شراء رقائقها ولكن بطريقة مختلفة.

    فإنفيديا، التي تخطت قيمتها السوقية حالياً حاجز الـ 5 تريليونات دولار، بدأت تتجاوز دورها التقليدي كشركة مصنّعة للرقائق لتلعب دوراً أقرب إلى "المصرف"، عبر تقديم ضمانات تمويلية لبعض عملائها والشركات الناشئة بمئات المليارات من الدولارات.

    ضمانات مقابل مبيعات
    وتعتقد صانعة الرقائق الأميركية أن لعب دور "الضامن" سيساعدها في دفع مبيعاتها لتحقيق مزيد من النمو، فعندما ترغب إحدى الشركات في الحصول على قرض لتطوير أعمالها في عالم الذكاء الاصطناعي، تتدخل إنفيديا وتضمن هذا القرض أمام البنك أو الجهة التي ستمنح التمويل، ما يُسهّل عملية الحصول على القرض.

    ولكن تدخل إنفيديا كجهة ضامنة يكون مقترناً بقيام الشركة التي تحصل على القرض باستخدام جزء من الأموال لشراء رقائق ومعالجات إنفيديا. وبذلك، تكون إنفيديا قد ساعدت عملاءها في الحصول على التمويل الذي يحتاجونه لشراء منتجاتها.

    ضمانات بـ 230 مليار دولار
    وبحسب تقرير أعدته صحيفة "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد قدمت إنفيديا مؤخراً ضمانات مالية، قد تُلزمها بسداد التزامات بقيمة 230 مليار دولار، تشمل ضمانة بقيمة 105 مليارات دولار، لعقد إيجار مع شركة OpenAI في أوهايو، وربما ما يصل إلى 125 مليار دولار لصفقات تمويل مع كبرى شركات وول ستريت.

    كما وقّعت إنفيديا مؤخراً اتفاقيات مشابهة مع شركتين ناشئتين في مجال الحوسبة السحابية في أستراليا، حيث تعهدت بأن تصبح الجهة التي تستأجر قدراتهما الحاسوبية كخيار أخير، في حال تعذر على تلك الشركتين العثور على مستأجرين آخرين.

    ولا يشمل رقم الـ 230 مليار دولار اتفاقية أبرمتها إنفيديا العام الماضي لشراء سعة حوسبة سحابية لم تتمكن شركة CoreWeave من بيعها، ضمن صفقة بلغت قيمتها 6.3 مليار دولار. كذلك، لا يشمل الرقم حصص الملكية التي تمتلكها إنفيديا في عدد من شركات الحوسبة السحابية ومختبرات الذكاء الاصطناعي التي تقدم لها الدعم والضمانات المالية، ومن بينها CoreWeave.

    التوسع في الإقراض
    ويبدو أن دخول إنفيديا إلى عالم التمويل مرشح للتوسع بشكل كبير، إذ وصفت صانعة الرقائق الأميركية صفقاتها مع شركتي الحوسبة السحابية الأستراليتين بـ "نموذج أعمال جديد"، ما يُلمّح إلى جاهزيتها للعب دور الضامن المالي مراراً. كما يُوحي دعم إنفيديا لـ OpenAI ومؤسسات وول ستريت بعزمها على رعاية المزيد من مشاريع مراكز البيانات الضخمة.

    وتسعى إنفيديا من خلال هذه الخطوات أيضاً إلى تنويع قاعدة عملائها وتقليل اعتمادها على عدد محدود من عمالقة التكنولوجيا، مثل Amazon وMicrosoft، فضلاً عن الوصول إلى شركات أصغر وأقل جدارة ائتمانية قد تواجه صعوبة أكبر في الحصول على التمويل.

    وبحسب تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن إنفيديا تمتلك مرونة عالية لامتصاص الصدمات المالية، إذ تضم ميزانيتها العمومية أكثر من 80 مليار دولار نقداً وأوراقاً مالية قابلة للتداول. فضلاً عن ذلك، فإنه من المستبعد جداً أن تواجه الشركة التزاماتها المالية دفعة واحدة، خصوصاً وأن هذه الالتزامات تتراجع تدريجياً بمرور الوقت.

    درس فقاعة الإنترنت
    ولكن سعي إنفيديا للعب دور الضامن المالي بهدف زيادة مبيعاتها للشركات الصغيرة والأقل جدارة ائتمانية يحمل بعض المخاطر، إذ يقدم التاريخ أمثلة على شركات انقلبت عليها هذه الاستراتيجية بشكل كارثي.

    فخلال فقاعة الإنترنت، اتبعت شركة لوسنت تكنولوجيز نهجاً مشابهاً، حيث قدمت التمويل وضمنت القروض لمساعدة شركات صغيرة على شراء منتجاتها، في محاولة لتعزيز مبيعاتها في سوق سريع النمو.

    إلا أن هذه الهندسة المالية ساهمت لاحقاً في انهيار لوسنت، التي اضطرت إلى تقليص قوتها العاملة إلى نحو ثلث حجمها السابق، قبل أن تندمج مع شركة ألكاتيل الفرنسية عام 2006.

    وبالطبع، لا يمكن مقارنة إنفيديا بلوسنت تكنولوجيز من الناحية المالية، إذ تتمتع إنفيديا بقوة مالية أكبر بكثير، كما تشير التوقعات إلى أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي سيظل قوياً للغاية خلال السنوات المقبلة، بما يدعم استمرار نمو هذه السوق. ومع ذلك، فإن الحجم المتزايد لصفقات التمويل والضمانات التي تدخل فيها إنفيديا بدأ يثير مخاوف بشأن المخاطر التي قد تواجهها الشركة على المدى الطويل.

    ثغرة أساسية
    وتتمثل الثغرة الأساسية في استراتيجية إنفيديا بانكشافها المالي المفرط على سوق الذكاء الاصطناعي، حيث قد يُؤدي أي تباطؤ في هذا القطاع إلى تعريض الشركة لخسائر مالية مضاعفة، تطال مبيعاتها واستثماراتها المباشرة في آن واحد.

    كما أنه ليس من الواضح بعد ما هي الضوابط الداخلية التي تتبعها إنفيديا لتجنب التوسع المالي المفرط، فالشركة لم تُفصح عما إذا كانت تُخصص احتياطيات نقدية كاحتياطي لتمويل محدد أو لضمانات عقود الإيجار.

    إنفيديا تصنع زبائنها
    وتقول مستشارة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أكسفورد هيلدا معلوف ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما تقوم به إنفيديا من خلال لعب دور "الضامن"، يعكس تحولاً استراتيجياً واسعاً في طريقة عمل شركات تصنيع الرقائق، والهدف هنا بسيط جداً ويتمحور حول فكرة "صنع مشترين جدد"، نعم فإنفيديا قررت صنع المشترين بنفسها من خلال ضمان قروضهم لدى البنوك، مشيرة إلى أن هذا التصرف يحل مشكلة كبيرة في السوق، لأن البنوك التقليدية تخاف من إقراض شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة بسبب غياب الأرباح المضمونة، وهنا تتدخل إنفيديا وتتحمل المخاطرة بدلاً من البنك، لتحصل مقابل ذلك على عقود مضمونة لشراء رقائقها.

    حماية المبيعات
    وتشرح معلوف ملكي، أن الجانب الإيجابي في هذه الخطوة هو أن إنفيديا تحمي نفسها من عمالقة الذكاء الاصطناعي مثل غوغل ومايكروسوفت وغيرها، حيث من المعروف أن هذه الشركات الكبرى تحاول حالياً تطوير رقائقها الخاصة لتقليل الاعتماد على إنفيديا، وبالتالي فإن دعم إنفيديا للشركات الصغيرة والناشئة، يخلق لها زبائن جدد ينقذون مبيعاتها في المستقبل عند اشتداد المنافسة في القطاع، مشددة على أن الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد مرتبطاً بتطوير أفضل رقاقة فقط، بل بالقدرة على بناء منظومة متكاملة تضمن استمرار الطلب على تلك الرقائق.

    مخاطر مخطط إنفيديا
    وبحسب معلوف ملكي، فإن خطورة هذا المخطط تكمن في طريقة عمل الشركات الناشئة، حيث إن لم تتمكن هذه الشركات من إيجاد زبائن لمنتجاتها وخدماتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فلن تستطيع سداد ديونها للبنوك، وفي هذه الحالة سيتعين على إنفيديا دفع الديون نيابة عنهم، لتتحول بذلك من شركة لصناعة الرقائق إلى شركة تجبي الديون وتدير عقارات ومراكز بيانات لا تحتاجها.

    وترى معلوف ملكي، أن المشكلة الثانية في ما تقوم به إنفيديا تكمن في أن المستثمرين يضعون أموالهم في الشركة، لأنها تصنع رقائق متطورة بهوامش ربح خيالية، وليس لأنها بنك يقدم ضمانات قروض للشركات، وبالتالي إذا بدأت السوق تشعر بأن إنفيديا تستخدم أموالها لـ "تضخيم" المبيعات بشكل اصطناعي، فقد يفقد المستثمرون ثقتهم في النمو الحقيقي للشركة، وهو ما قد يسبب تراجعاً كبيراً في سعر سهمها.

    رهان إنفيديا
    من جهته يقول مهندس البرمجيات أحمد الحركة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما تفعله إنفيديا اليوم يشبه إلى حد كبير ما تفعله شركات السيارات عندما تقرض زبائنها لشراء سياراتها، ولكن الفرق هنا يكمن في حجم المبالغ وطبيعة السوق، فالذكاء الاصطناعي قطاع جديد وسريع التغير، والدخول فيه بصفة "الضامن المالي" يربط مصير إنفيديا بنجاح هذا القطاع ككل، لافتاً إلى أن إنفيديا تراهن عملياً على أن طفرة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد موجة مؤقتة، بل تحول اقتصادي طويل الأمد يحتاج إلى بنية تحتية مستمرة النمو، وإذا صدق هذا الرهان، فقد يساعدها النموذج الجديد على ترسيخ مكانتها في السوق.

    الضمان ليس المشكلة
    ويرى الحركة، أن إنفيديا تحتاج إلى الفصل بوضوح بين قرارها الصناعي وقرارها المالي، لأن توسعها في تقديم الضمانات قد يخلق تضارباً محتملاً في الحوافز، فهي ليست جهة تمويل محايدة، بل لديها مصلحة مباشرة في استمرار الإنفاق على منظومة تعتمد على منتجاتها، وهنا تصبح الشفافية في الإفصاح عن طبيعة الضمانات وشروطها ومستوى التعرض الفعلي، أمراً بالغ الأهمية للمستثمرين، مشدداً على أن الأسواق لا تخشى من الضمانات بحد ذاتها، وإنما من تحولها إلى ممارسة واسعة يصعب قياس مخاطرها، حيث أنه إذا بقيت هذه الأدوات محدودة ومبنية على معايير ائتمانية صارمة، فقد تكون وسيلة فعالة لتسريع الاستثمار، أما إذا تحولت إلى وسيلة لتعويض ضعف النموذج الاقتصادي لبعض العملاء، فقد تنتقل المخاطر تدريجياً إلى ميزانية إنفيديا نفسها.

    الوجه الإيجابي
    ويعتبر الحركة أن الجانب الإيجابي في نموذج العمل الجديد الذي تعتمده إنفيديا، هو أنه قد يؤدي إلى تسريع الابتكار في بعض جوانبه، لأن نقص التمويل يمثل أحد أكبر العوائق أمام الشركات التي تمتلك أفكاراً، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة للوصول إلى مرحلة تجارية، ولذلك عندما يصبح الوصول إلى المال أسهل، يصبح بإمكان هذه الشركات تحويل أفكارها من مرحلة التجربة إلى مشاريع فعلية بوتيرة أسرع، ما يوسع قاعدة الشركات القادرة على دخول سوق الذكاء الاصطناعي ويزيد من فرص ظهور تطبيقات ونماذج أعمال جديدة.
  • Just in

Just in