رحلة برميل النفط.. كيف يتحول إلى أكثر من 6 آلاف منتج؟

  • 10 August 2026
  • 49 mins ago
    • Business
  • source: الجزيرة
    • article image
    قد يبدو الأمر غريبا، لكن آخر مرة استخدمت فيها النفط ربما لم تكن عندما ملأت سيارتك بالوقود، بل عندما ارتديت قميصك صباحا، أو أمسكت هاتفك، أو فتحت عبوة دواء، أو حتى استخدمت فرشاة أسنانك، فبينما يرتبط النفط في أذهان كثيرين بمحطات الوقود، فإن الجزء الأكبر من حضوره في حياتنا اليومية يختبئ داخل آلاف المنتجات التي لا تحمل أي رائحة للبنزين، ولم تمر يوما على خزان سيارة.

    وعند التمعن في طبيعة الطلب العالمي على النفط، ستكتشف أن المواد الأولية المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية تمثل نحو 12% منه، أي ما يقارب 12 مليون برميل يوميا، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، وهو ما يعني أن برميلا واحدا من كل 8 براميل يستهلكها العالم تقريبا لا يتجه إلى خزانات وقود المركبات أو الطائرات، بل يدخل مسارا مختلفا ويبدأ رحلة مغايرة تماما.

    فالنفط ليس مجرد وقود يحرك وسائل النقل أو يشغل المصانع، بل أصبح مادة أولية تقوم عليها صناعات كاملة يصعب تخيل الحياة الحديثة من دونها.

    ولا يقتصر الأمر على عدد محدود من الاستخدامات، إذ تشير تقديرات عدد من الهيئات الصناعية، من بينها المعهد الأمريكي للبترول وجمعية مصنعي الوقود والبتروكيماويات الأمريكية، إلى أن مشتقات النفط تدخل في تصنيع أكثر من 6 آلاف منتج يستخدمه الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

    ويعكس هذا التنوع كيف تحول النفط من مصدر للطاقة إلى أحد أهم المواد الخام التي تقوم عليها قطاعات اقتصادية مهمة، مثل الطب والبناء وصناعة الملابس، فكيف تبدأ رحلة البرميل داخل المصافي؟ ولماذا لا يتحول كله إلى وقود؟ وكيف أصبحت الصناعات البتروكيماوية أحد أهم محركات الطلب العالمي على النفط؟

    خليط معقد من المكونات
    يُنظر إلى مصافي النفط عادة على أنها منشآت لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، لكن هذه الصورة لا تعكس سوى جزء من الواقع، فبرميل النفط الخام ليس وعاء يُملأ بنوع واحد من الوقود، بل هو خليط معقد من مئات المركبات الهيدروكربونية، التي تختلف في أوزانها الجزيئية وخصائصها الكيميائية.

    وعندما يدخل البرميل إلى المصفاة، تبدأ عملية فصل هذه المركبات وإعادة معالجتها عبر وحدات التقطير والتكسير والتحويل، لينتهي إلى مجموعة واسعة من المنتجات التي تختلف وظائفها وقيمتها الاقتصادية بصورة كبيرة.

    وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هذه الحقيقة من خلال متوسط إنتاج البرميل الواحد في الولايات المتحدة، إذ يبلغ حجم البرميل 42 غالونا أمريكيا (الغالون الأمريكي يعادل تقريبا 3.78 لترات)، لكن عمليات التكرير تؤدي إلى إنتاج ما يقارب 45 غالونا من المنتجات النفطية.

    وتلك نتيجة ما يعرف بـ"كسب المعالجة"، وهو زيادة في الحجم تحدث نتيجة تحول بعض المكونات الثقيلة إلى منتجات أقل كثافة، ويعني ذلك أن البرميل يتحول إلى سلة متنوعة من المشتقات التي تخدم قطاعات اقتصادية مختلفة.

    وفي المتوسط، ينتج البرميل الواحد نحو 19.57 غالونا من البنزين، و12.47 غالونا من الديزل والمنتجات المقطرة، و4.41 غالونات من وقود الطائرات، إضافة إلى 2.06 غالون من فحم الكوك البترولي المستخدم في الصناعات الثقيلة.

    كما ينتج 1.55 غالون من غازات الهيدروكربونات المسالة التي تستخدم وقودا منزليا وفي الصناعات البتروكيماوية، ونحو 0.84 غالون من الأسفلت، فضلا عن 0.38 غالون من زيوت التشحيم، و0.34 غالون من النافثا المخصصة للصناعات البتروكيماوية، بجانب منتجات أخرى تشمل المذيبات والشموع والكبريت والمواد الوسيطة.

    فالأسفلت، على سبيل المثال، يمثل العمود الفقري لشبكات الطرق الحديثة، وتشير بيانات الرابطة الوطنية للأسفلت في الولايات المتحدة إلى أن أكثر من 90% من الطرق المعبدة في البلاد تعتمد على هذه المادة، كما أنها من أكثر مواد البناء إعادة للتدوير في العالم.

    ولا تقل زيوت التشحيم أهمية، فهي عنصر أساسي في تشغيل المحركات والتوربينات والمعدات الصناعية وخطوط الإنتاج، فالاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد على ملايين الآلات التي تحتاج إلى زيوت متخصصة لتقليل الاحتكاك وإطالة عمر المعدات.

    وبحسب تقرير حديث صادر عن مؤسسة "فورتشن بيزنس إنسايتس"، بلغت قيمة سوق زيوت التشحيم عالميا نحو 178.98 مليار دولار أمريكي في 2025، مع توقعات بوصولها إلى 182.53 مليارا في 2026.

    ولهذا السبب، لم تعد كفاءة المصافي تُقاس فقط بكمية الوقود التي تنتجها، بل أيضا بقدرتها على استخراج أعلى قيمة ممكنة من كل برميل عبر توجيه جزء متزايد منه إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

    البتروكيماويات.. رحلة آلاف المنتجات
    إذا كانت المصافي تمثل المحطة الأولى في رحلة برميل النفط، فإن المجمعات البتروكيماوية هي المكان الذي يضفي قيمة مختلفة تماما على برميل النفط.

    فهنا لا يُنظر إلى الذهب الأسود بوصفه مصدرا للطاقة، بل مادة خاما يمكن إعادة تشكيلها كيميائيا لإنتاج مركبات تدخل في كل تفاصيل الحياة الحديثة، من عبوات المياه والهواتف الذكية إلى المعدات الطبية والطائرات.

    وتبدأ هذه الرحلة غالبا بالنافثا أو غازات الهيدروكربونات الخفيفة مثل الإيثان والبروبان، وتحت درجات حرارة تتجاوز 800 درجة مئوية، تنكسر السلاسل الهيدروكربونية الطويلة لتنتج مركبات أولية مثل الإيثيلين والبروبيلين والبيوتاديين.

    ورغم أن هذه الأسماء قد تبدو بعيدة عن المستهلك، فإنها تمثل اللبنات الأساسية لمعظم الصناعات الكيميائية في العالم، إذ يُعد الإيثيلين أهمها على الإطلاق، وتصفه شركات الصناعة بـ"ملك البتروكيماويات".

    ويُستخدم الإيثيلين في إنتاج البولي إيثيلين، وهو أكثر أنواع البلاستيك استخداما عبر العالم، ويدخل في تصنيع أكياس التغليف والأنابيب وعبوات الأغذية والمشروبات وأغلفة الكابلات الكهربائية والخزانات ومكونات الأجهزة المنزلية.

    أما البروبيلين فيتحول إلى البولي بروبيلين، الذي يدخل في صناعة أجزاء السيارات والأثاث والحقائب والأجهزة الطبية والعبوات الغذائية.

    وتعكس هذه السلسلة الصناعية السبب وراء اعتبار البتروكيماويات أحد أهم محركات الطلب على النفط عالميا.

    وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يكون قطاع البتروكيماويات أكبر محرك منفرد لنمو الطلب على النفط في العقود المقبلة، إذ تشير تقديراتها إلى أنه سيشكل أكثر من ثلث الزيادة في الطلب العالمي على النفط حتى عام 2030، بينما ستحتاج صناعة البوليمرات والألياف الصناعية وحدها عند هذا العام إلى نحو 18.4 مليون برميل يوميا من النفط.

    كما سيواصل القطاع زيادة الطلب مشكلا نحو 50% من تلك الزيادة حتى عام 2050 ليشكل أكبر القطاعات الصناعية في العالم من حيث القيمة المضافة، إذ تعتمد عليها سلاسل إنتاج تمتد إلى قطاعات السيارات والإلكترونيات والإنشاءات والرعاية الصحية والزراعة.

    ويقدر حجم سوق البتروكيماويات العالمي بنحو 674.7 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 702.9 مليار في 2026، وفقا لـ"فورتشن بيزنس إنسايتس".

    النفط في تفاصيل الحياة اليومية
    قد تبدو صناعة الملابس بعيدة تماما عن أسواق النفط، لكن الواقع يكشف علاقة وثيقة بينهما، ففي العقود الأخيرة أصبحت الألياف الصناعية المشتقة من النفط تتصدر صناعة المنسوجات عالميا، متجاوزة الألياف الطبيعية مثل القطن والصوف.

    ووفق تقرير لمؤسسة "تيكستايل إكستشينج"، بلغ إنتاج الألياف عالميا نحو 132 مليون طن في 2024، مقابل 125 مليونا في 2023، واستحوذ البوليستر على 59% من الإنتاج العالمي، بحجم يقارب 77.7 مليون طن، ليواصل ترسيخ مكانته باعتباره المادة الأكثر استخداما في صناعة الملابس.

    ويُنتج البوليستر من مركبات كيميائية مشتقة من النفط والغاز الطبيعي مثل البارازيلين والإيثيلين. ولهذا تعتمد الملابس الرياضية وملابس الهواء الطلق والموضة السريعة والسجاد وأقمشة الأثاث وأحزمة الأمان في السيارات والخيام والحقائب بصورة مباشرة على النفط، لكن بعد أن يتحول إلى ألياف دقيقة لا يلاحظ المستهلك أصلها.

    دخول النفط في تفاصيل الحياة اليومية لا يقف عند الملابس، فالمستشفيات الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على المواد البتروكيماوية: الحقن الطبية وأنابيب نقل الدم وأكياس المحاليل والعبوات الدوائية وأجزاء كثيرة من أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة الغسيل الكلوي وغيرها من المستلزمات الطبية تُصنع من بوليمرات مشتقة من النفط مثل البولي بروبيلين والبولي فينيل كلورايد والبولي كربونات.

    وتمتد أهمية المواد النفطية إلى صناعات يصعب الاستغناء عنها، ففي قطاع الزراعة، تدخل مشتقات النفط في إنتاج أنظمة الري بالتنقيط والعبوات المستخدمة في حفظ ونقل المحاصيل، كما تُستخدم في تصنيع كثير من المبيدات والأسمدة المتخصصة.

    وفي قطاع الإلكترونيات، تعتمد الدوائر المطبوعة وعوازل الكابلات وأغلفة الهواتف الذكية وأجزاء الحواسيب على بوليمرات وراتنجات مشتقة من النفط تتميز بخفة الوزن ومقاومة الحرارة والكهرباء.

    وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية؛ فعندما يُحرق لتر من البنزين، تنتهي قيمته في دقائق داخل محرك السيارة، أما عندما يتحول البرميل إلى بوليمرات أو مواد كيميائية، فإنه يبقى داخل الاقتصاد سنوات، وأحيانا عقودا، في صورة منتجات يستفيد منها ملايين الأشخاص يوميا.

    حتى السيارات الكهربائية تحتاج للنفط
    مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، ارتبط مستقبل النفط غالبا بانتشار السيارات الكهربائية، فقد سجلت المبيعات العالمية لهذه المركبات نموا جديدا عام 2025، وتجاوزت 20 مليون سيارة، بما يعادل نحو ربع السيارات الجديدة المبيعة عالميا، وفق وكالة الطاقة الدولية.

    كما قدرت الوكالة، في تقريرها عن آفاق السيارات الكهربائية العالمية، أن انتشار هذه السيارات ساهم عام 2025 في تجنب استهلاك نحو 1.7 مليون برميل من النفط يوميا، لكن هذه الأرقام تعكس جانبا واحدا فقط من الصورة، فالسيارة الكهربائية نفسها تعتمد على عدد كبير من المنتجات البتروكيماوية.

    فالإطارات تُصنع من المطاط الصناعي، والمقاعد تعتمد على رغوات البولي يوريثان، ولوحات القيادة والأجزاء الداخلية تُصنع من البوليمرات، بينما تدخل المواد البلاستيكية في أنظمة التبريد والكابلات والعوازل وأجزاء البطاريات.

    وتشير دراسات شركات صناعة السيارات إلى أن المواد البلاستيكية أصبحت تمثل ما بين 10% و15% من وزن السيارة الحديثة، بينما تشغل حصة أكبر بكثير من عدد المكونات المستخدمة داخل المركبة.

    ومن ثم فإن التحول نحو السيارات الكهربائية يقلص الطلب على الوقود، لكنه لا يعني اختفاء الطلب على النفط باعتباره مادة خاما للصناعة، وهو ما يفسر استمرار توقعات وكالة الطاقة الدولية بنمو الطلب على البتروكيماويات.

    تحول يغير الاستثمار
    هذا التحول في طبيعة الطلب دفع شركات الطاقة الكبرى إلى إعادة صياغة إستراتيجياتها الاستثمارية، فبدلا من التركيز على إنتاج الوقود فقط، أصبحت تتجه إلى إنشاء مجمعات متكاملة تجمع بين التكرير والصناعات البتروكيماوية، بهدف استخراج أكبر قيمة ممكنة من كل برميل.

    تقنية تحويل النفط الخام إلى كيماويات أبرز مثال على هذا التوجه، ففي المصافي التقليدية يتحول معظم البرميل إلى وقود، بينما لا تتجاوز نسبة المواد الكيميائية عادة 8% إلى 12%.

    وتذهب بعض تقنيات تحويل النفط الخام إلى كيماويات إلى أبعد من نموذج التكامل التقليدي، إذ تستهدف توجيه نسبة أكبر بكثير من البرميل نحو إنتاج المواد الكيميائية بدلا من الوقود، في مسعى لزيادة القيمة المستخرجة من كل برميل.

    وبالفعل تستطيع المجمعات المتكاملة الحديثة رفع هذه النسبة إلى نحو 50%، بحسب بيانات أرامكو السعودية، من خلال دمج عمليات التكرير مع وحدات البتروكيماويات داخل مجمع صناعي واحد.

    ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة داخل الصناعة بأن القيمة الاقتصادية المستقبلية للبرميل لن تعتمد فقط على عدد السيارات التي ستستهلك البنزين، بل على حجم الصناعات التي ستحتاج إلى المواد الكيميائية المشتقة منه.

    وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: كم برميلا سيستهلك العالم، بل كيف سيستخدم كل برميل؟