بفاتورة حرب تجاوزت تريليون دولار، مع توقعات مرعبة بصعودها إلى تريليونين ونصف تريليون دولار بحلول نهاية العام، يقف الاقتصاد العالمي على حافة زلزال عنيف أعاد رسم ملامح المشهد الاقتصادي عالمياً وعربياً، تزامناً مع تعطل إمدادات الطاقة والأسمدة وسلاسل المنتجات الحيوية.
في الشرق الأوسط وحده، تجاوزت الخسائر 250 مليار دولار، مع فقدان أربعة ملايين وظيفة نتيجة استهداف 80 منشأة للطاقة، بتكلفة قدرت بنحو 58 مليار دولار.
أزمة هرمز .. زلزال اقتصادي يختبر صمود اقتصادات الخليج
وفي خضم ذلك، تواجه دول الخليج، التي دخلت الأزمة بقدرات مالية متفاوتة، اختباراً صعباً، إذ تعتمد قدرتها على امتصاص الصدمة على حجم الاحتياطيات المالية، ومستوى الاعتماد على عائدات الطاقة، وتنوع الاقتصاد.
وبينما أظهرت اقتصادات الإمارات والسعودية وعُمان مرونة عالية بدعم من الاحتياطيات وتنوع الاقتصاد ووجود منافذ متعددة لتصدير الطاقة، تواجه كل من البحرين والكويت تحديات أكبر بسبب استمرار الاعتداءات الإيرانية على بنيتهما التحتية، في حين تدخل قطر، التي تعتمد صادراتها من الغاز بشكل كامل على مضيق هرمز، مرحلة من الشك تحاصرها المخاطر.
وفي مشهد يكشف أن هذه الحرب، حتى وإن توقفت، فإن آثارها مرشحة للاستمرار لسنوات، إذ أن الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة لا يدفع ثمنها سكانها فقط، بل كل شخص في العالم.
تحذير من رئيس أكبر بنك بالعالم .. احذروا من الأسهم الأميركية
من الجانب الآخر، يأتي التحذير المدوي من رئيس أكبر بنك في أميركا، الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان"، الذي نبه المستثمرين من مخاطر شراء الأسهم والسندات الأميركية عند الأسعار الحالية، لأنهم يقللون من شأن المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين، وارتفاع الإنفاق العسكري بالتزامن مع تصاعد عجز الموازنة وارتفاع الديون الأميركية، مع توقعات برفع أسعار الفائدة. التحذير يأتي بينما سجلت القيمة السوقية لسوق الأسهم الأميركية نحو 75 تريليون دولار بنهاية يونيو، وهو ما يعادل حجم اقتصادات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان مجتمعة في 2025، فيما بلغت مكاسب الأسهم الأميركية 7 تريليونات دولار في النصف الأول من العام، بينما قفزت القيمة السوقية للشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي 27 تريليون دولار منذ أواخر 2022، في مفارقة رقمية صارخة تعكس الفجوة بين لغة التحذير الرسمية وجنون المكاسب السوقية.
وفي هذا السياق، يقدم محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة "مزايا الغاف" من "لونيت"، خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قراءة متكاملة لتداعيات الحرب على اقتصادات المنطقة، مسلطاً الضوء على كلفة التكيف الاقتصادي، ومستقبل النمو، وتداعيات فقدان الوظائف، وصولاً إلى رؤيته الاستثمارية في الأسواق الأميركية والذهب.
التكيف الاقتصادي مستمر... لكن بكلفة أعلى
يرى محمد علي ياسين أن الأزمة استمرت لفترة أطول مما كان متوقعاً، وأن تجدد التوترات خلال الأيام العشرة الأخيرة، رغم الوصول إلى مرحلة وقف إطلاق النار، يظل مصدر قلق للجميع.
ويشير إلى أن اقتصادات المنطقة بدأت منذ اليوم الأول في التكيف مع المعطيات المتاحة آنذاك، من خلال إيجاد مسارات بديلة لسلاسل الإمداد، والبحث عن موردين آخرين وشركاء جدد، بما يضمن استمرار حركة النشاط الاقتصادي.
ويلفت إلى أن طبيعة المشاريع تغيرت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، فبعد أن كانت الأولوية لمشروعات في قطاع البتروكيماويات، أصبحت تتجه نحو تمديد خطوط سلاسل الإمداد والتوسع في الموانئ، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، استجابة مباشرة للمتغيرات التي فرضتها الحرب.
ويؤكد أن هذا التكيف يفرض كلفة إضافية، لأن الاقتصادات تتحرك في بيئة متوترة لا تتوافر فيها الاحتياجات بالسهولة السابقة، موضحاً أن الحكومات ما زالت قادرة على توفير احتياجات شعوبها واقتصاداتها، ولكن بكلفة أعلى، في ظل ارتفاع أسعار النفط وما يرافقه من زيادة في كلفة التنقل وارتفاع معدلات التضخم.
ويضيف أن غياب حل جذري يعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب يجعل دول المنطقة، برأيه، الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الأزمة، ولا سيما في ما يتعلق بمحورية الحركة في المنطقة.
تباطؤ النمو يفرض واقعاً جديداً على الاقتصادات وسوق العمل
ويربط ياسين المشهد الحالي بالدورة الاقتصادية التي بدأت بعد جائحة كورونا، موضحاً أن الاقتصاد العالمي شهد توقفاً لثلاثة أشهر في بداية عام 2020، قبل أن يدخل مرحلة تعافٍ وصعود بلغت ذروتها، بحسب تقديره، في نهاية عام 2025 وبداية عام 2026.
ويرى أن الاقتصادات دخلت اليوم مرحلة مختلفة، عنوانها المحافظة على المكاسب، مع استمرار النمو في الناتج المحلي ولكن بوتيرة أبطأ، لافتاً إلى أن التوقعات التي كانت مطروحة في عام 2025 بشأن النمو السكاني في بعض الدول نتيجة جاذبيتها للأجانب تغيرت بصورة كبيرة.
ويشير إلى أن هناك قوى متضادة لا تعمل جميعها في مصلحة المنطقة، مضيفاً أن الدول التي فقدت هؤلاء الأجانب أصبحت، بحسب رأيه، الأكثر تداولاً للأخبار السلبية عن المنطقة، في محاولة لتضخيم الانطباع بتراجع جاذبيتها.
ويعتبر أن تباطؤ النمو المتوقع يعد أمراً طبيعياً ومنطقياً، لأن الدورات الاقتصادية في المنطقة تمتد عادة بين خمس وسبع سنوات قبل أن تدخل مرحلة تباطؤ، وهو ما ينعكس على وتيرة النشاط الاقتصادي. وفي ظل هذه المعطيات، تتقاطع هذه القراءة مع الأرقام التي تظهر فقدان ملايين الوظائف في المنطقة، بما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الاقتصادات خلال المرحلة الحالية.
كما يشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط، رغم ما يوفره من إيرادات إضافية، يصبح عند مستوى معين عاملاً غير إيجابي، لأنه يدفع العالم إلى العودة للبحث عن مصادر الطاقة المتجددة، مؤكداً أن الأولوية تبقى، في رأيه، استعادة الاستقرار الذي كان قائماً قبل الأزمة، بما يسمح بالعودة إلى البناء واستكمال أولويات التنويع الاقتصادي.
ويؤكد ياسين أن الحرب غيّرت اتجاهات الإنفاق، إذ انتقلت مخصصات كانت موجهة لمشروعات مستقبلية إلى قطاعات دفاعية وقطاعات قومية.
وفي المقابل، يرى أن بعض دول المنطقة استطاعت التكيف مع المتغيرات عبر توسيع التكامل الاقتصادي، مشيراً إلى أن الإمارات وقعت، بحسب آخر رقم أشار إليه، نحو 39 اتفاقية اقتصادية، مع استمرار العمل على اتفاقيات أخرى، بهدف إيجاد موردين وطرق تجارية جديدة، بما يضمن استمرار توافر مختلف السلع، من مواد البناء إلى المواد الغذائية.
ويضيف أن حسن إدارة الاقتصادات يبرز بصورة أكبر في مثل هذه الظروف، معتبراً أن اقتصادات الخليج تؤدي دوراً مهماً في تمويل الاستثمارات، وأن ازدهارها ينعكس على استثمارات تمتد إلى دول أخرى، مشيراً إلى أن دول المغرب العربي ومصر أصبحت تحظى بأهمية أكبر مع ظهور مسارات ربط جديدة لم تكن موجودة سابقاً.
ويرى أن عملية التكيف ستؤدي إلى تغير الدورة الاقتصادية، وربما تغير اللاعبين الاقتصاديين مقارنة بالماضي، لافتاً إلى أن العالم بدأ يتكيف تدريجياً مع استمرار الأزمة، من خلال البحث عن بدائل جديدة لمصادر الطاقة، فيما تبقى اقتصادات المنطقة مطالبة بالتعامل مع هذه المتغيرات، مع استمرار تركيزها على الذكاء الاصطناعي، ومستودعات البيانات، والمشروعات المستقبلية.
وفي ما يتعلق بنتائج الشركات، يشير ياسين إلى أن نتائج الربع الثاني ستعطي صورة أوضح عن انعكاسات المرحلة الحالية، موضحاً أن النتائج التي أعلنها كل من بنك الإمارات الإسلامي وبنك دبي الإسلامي أظهرت استمرار النمو.
ويضيف أن قوة نتائج الربع الأول ربما أسهمت في دعم الأداء، إلا أن التقييم الأشمل سيعتمد على نتائج الربع الثاني، مؤكداً أن المرحلة الحالية لم تعد تشهد الحديث عن معدلات نمو تراوح بين 20 و30 في المئة، بل أصبح تحقيق نمو يقل عن 10 في المئة أمراً جيداً في ظل الظروف الراهنة.
الأسواق الأميركية... جني الأرباح أولى من الشراء
وفي تعليقه على تحذير الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، يؤكد ياسين أنه يتعامل مع هذه الرؤية بجدية، انطلاقاً من أن المسؤول عن أكبر بنك أميركي يمتلك رؤية واسعة لحركة الاقتصاد والصفقات، ويستند إلى فرق بحث متخصصة.
ويرى أن الأسواق الأميركية أصبحت قريبة من مستوياتها العليا، مشيراً إلى أن مؤشرات S&P 500 وناسداك وداو جونز حققت مكاسب، إلا أن تقييم الشركات الكبرى لا يعكس بالضرورة الصورة التي توحي بها العناوين العامة للأسواق.
ويعتبر أن الأموال الذكية لا تنتظر الوصول إلى أعلى نقطة، وإنما تبدأ بالخروج تدريجياً من السوق، حتى وإن واصلت المؤشرات الارتفاع، ولذلك يرى أن المرحلة الحالية ليست سوق شراء، كما أنها ليست سوق احتفاظ كامل بالمراكز الاستثمارية، بل إن جني جزء من الأرباح يمثل، برأيه، خياراً مناسباً.
الذهب... فرصة تجميع على المدى الطويل
ويؤكد ياسين أنه يؤيد شراء الذهب، معتبراً أن كل تراجع في الأسعار يمثل فرصة للتجميع، وليس للمضاربة قصيرة الأجل، وأن امتلاك الذهب يجب أن يكون جزءاً من المحفظة الاستثمارية على المدى الطويل.
ويرى أن استمرار التوترات الاقتصادية والجيوسياسية، إلى جانب الضغوط الناتجة عن ارتفاع كلفة الاقتراض في الولايات المتحدة، قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات بخفض أسعار الفائدة خلال العام المقبل، وهو ما سيزيد من جاذبية الذهب.
ويوصي بالاحتفاظ بجزء من الاستثمار في الذهب المادي، سواء في صورة سبائك صغيرة أو كبيرة، مع حفظه لدى جهات موثوقة مثل البنوك أو الجهات التي توفر خدمات حفظ طويلة الأجل، إلى جانب إمكانية الاستثمار عبر الصناديق المتداولة المرتبطة بالذهب (ETFs)، مؤكداً أن الاحتفاظ بجزء من الذهب المادي يظل، في رأيه، عنصراً أساسياً في أي محفظة استثمارية طويلة الأجل.