-
تشهد الجزائر في الأيام الأخيرة حراكا دبلوماسيا لافتا، بتوالي زيارات رفيعة المستوى لمسؤولين أوروبيين، في سياق دولي يتسم باضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة، على خلفية التوترات في الشرق الأوسط والحرب الدائرة في إيران وما رافقها من تقلبات في إمدادات الغاز والنفط.
ويعكس هذا الحضور الأوروبي المتقارب زمنيا، سعي عدد من العواصم الأوروبية إلى تعزيز علاقاتها مع الجزائر باعتبارها أحد الموردين الرئيسيين للطاقة، في وقت تبحث فيه هذه الدول عن شركاء أكثر استقرارا لتأمين احتياجاتها الحيوية في ظل تعطل الإمدادات من دول منتجة كبرى بسبب ظروف “القوة القاهرة”.
وضمن هذا المسعى، تأتي زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر، الخميس، كأبرز محطة في هذا الحراك، خاصة أنها الأولى من نوعها منذ الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين البلدين قبل نحو أربع سنوات. وتشير المعطيات التي ذكرتها صحيفة “الأندبندنتي” الإسبانية إلى أن هذه الزيارة، التي تشمل الجزائر العاصمة ووهران، تهدف إلى إعطاء دفع جديد لمسار تطبيع العلاقات الثنائية، بعد فترة من الجمود الذي طبعها عقب الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية سنة 2022.
زيارة ألباريس تهدف إلى إعطاء دفع جديد لمسار تطبيع العلاقات الثنائية، بعد فترة من الجمود الذي طبعها عقب الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية في 2022
وبحسب ما نقلته مصادر من وزارة الخارجية الإسبانية، فإن الهدف من الزيارة هو “تعزيز العلاقات الثنائية”، حيث سيجري الوزير الإسباني محادثات مع نظيره الجزائري أحمد عطاف، تتناول جدول الأعمال الثنائي وكذا الوضع الدولي. كما يُنتظر أن تشمل اللقاءات قضايا الطاقة والتبادل التجاري والتعاون الأمني في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع تحولات في سوق الغاز، حيث تسعى مدريد إلى تأمين إمدادات مستقرة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبها. وتبرز الجزائر في هذا السياق كأحد أبرز المزودين، إذ تؤكد الحكومة الإسبانية منذ بداية الأزمة أنها شريك موثوق يحترم التزاماته، وهو ما يفسر استمرار تدفق الغاز الجزائري نحو إسبانيا رغم الخلافات السياسية السابقة.
وتشير معطيات إعلامية إلى أن الجزائر تتجه إلى رفع صادراتها من الغاز نحو إسبانيا عبر أنبوب “ميدغاز”، حيث يرتقب أن ترتفع الكميات اليومية من 28 إلى 32 مليون متر مكعب، بما يسمح بالاقتراب من الطاقة القصوى للأنبوب، وهو مؤشر على عودة التنسيق بين البلدين في المجال الطاقوي، بعد فترة من التوتر.
كما تأتي زيارة ألباريس في سياق محاولات إسبانية لاستعادة مستوى العلاقات الاقتصادية الذي تأثر خلال الأزمة، حيث تشير تقارير إلى تسجيل تحسن تدريجي في المبادلات التجارية خلال الفترة الأخيرة، بعد سلسلة من الاتصالات السياسية التي جرت بين مسؤولي البلدين، سواء على المستوى الثنائي أو على هامش لقاءات دولية.
وقبل هذه الزيارة مباشرة، كانت الجزائر قد استقبلت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني التي قامت بزيارة عمل وصداقة الأربعاء بغرض تعزيز الشراكة بين البلدين، خاصة في مجال الطاقة. وقد التقت ميلوني بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حيث تم التطرق إلى مختلف أوجه التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والدولية.
وخلال التصريح الإعلامي المشترك، أكدت ميلوني أن “الجزائر تمثل شريكا له أهمية إستراتيجية مطلقة لإيطاليا”، مضيفة أن العلاقة بين البلدين “لم تكن يوما بمثل هذه المتانة والثمار”. كما شددت على أنه في ظل “تزايد عدم الاستقرار وتضاؤل اليقين”، تبقى هذه العلاقة “إحدى الثوابت الاستثنائية التي يمكننا الاعتماد عليها”.
أكدت ميلوني أن الجزائر تمثل شريكا له أهمية إستراتيجية مطلقة لإيطاليا، وأن العلاقة بين البلدين لم تكن يوما بمثل هذه المتانة
وأوضحت رئيسة الحكومة الإيطالية أن التعاون بين البلدين يشمل بالدرجة الأولى قطاع الطاقة، مشيرة إلى أن العمل جار على “تعزيز التعاون المتين” القائم بين البلدين، والذي يشمل بشكل مباشر شركتي “إيني” و”سوناطراك”، مع التوجه نحو فتح آفاق جديدة في مجالات مثل الغاز الصخري والاستكشاف البحري. وأضافت: “سيسمح لنا هذا أيضاً بتعزيز تدفق إمدادات الغاز من الجزائر إلى إيطاليا”.
وفي السياق ذاته، أكدت أن الطاقة تمثل “فرصة وأداة لتحقيق تنمية مشتركة”، سواء بالنسبة للدول المنتجة أو المستهلكة، مشيرة إلى أن هذه الرؤية تشكل جوهر المشاريع المشتركة في إطار خطة “ماتي” لإفريقيا. كما أعلنت عن تقدم عدد من المشاريع، من بينها استصلاح أراضٍ زراعية في الجنوب الجزائري، حيث يرتقب توسيع المساحات المزروعة من 7 آلاف إلى 13 ألف هكتار خلال سنة 2026.
من جانبه، شدد الرئيس تبون على الطابع الاستراتيجي للعلاقات الجزائرية الإيطالية، مؤكداً حرص الجزائر على الوفاء بالتزاماتها كشريك موثوق في مجال الطاقة. كما أشار إلى تقارب مواقف البلدين بشأن عدد من القضايا الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الجزائري: “أكدنا على ضرورة الوقف الفوري لكل أشكال التصعيد وتغليب الحوار والدبلوماسية واحترام سيادة الدول وأمن شعوبها”، في إشارة إلى التطورات الجارية في المنطقة. كما جدد التأكيد على موقف الجزائر الداعي إلى “تكثيف الجهود الدولية من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم، يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”، وتحدث أيضا عن موقف الجزائر الداعم لإيجاد حل سياسي عادل للقضية الصحراوية.
وتندرج زيارة ميلوني ضمن مسار متصاعد من التعاون بين الجزائر وإيطاليا، حيث أصبحت الجزائر خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز موردي الغاز إلى روما، في ظل تراجع الإمدادات الروسية. ويشكل خط أنابيب “ترانسميد” أحد الركائز الأساسية لهذه الشراكة، إلى جانب تنامي دور الغاز الطبيعي المسال.
وكانت إيطاليا قد استوردت في عام 2025 نحو 20.1 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري عبر أنبوب “ترانسميد” (يربط البلدين عبر تونس)، وهو ما يمثل حوالي 31 بالمائة من إجمالي وارداتها، ما يؤكد أن الجزائر تغطي ما يقارب ثلث الطلب الإيطالي على الغاز، في مؤشر واضح على الأهمية الاستراتيجية لهذا الأنبوب.
كما سجلت صادرات الغاز الطبيعي المسال الجزائري نحو إيطاليا ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغت 47 شحنة خلال 2025، ما يمثل حوالي 21 بالمائة من إجمالي واردات إيطاليا من الغاز المسال، وهو تطور يشير لرغبة متزايدة خاصة من قبل الجزائر في تنويع قنوات الإمداد وتعزيز المرونة في مواجهة الأزمات وكذلك الاستفادة من الأسعار الفورية التي غالبا ما تكون مرتفعة.
وبشكل عام، تكشف البيانات الرسمية عن بلوغ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا نحو 12.98 مليار يورو خلال 2025، ما يكرّس مكانة روما كشريك اقتصادي رئيسي للجزائر في القارة الأوروبية. وقد بلغت الصادرات الإيطالية نحو الجزائر 3.2 مليار يورو، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 13.8 بالمائة، في حين بلغت الواردات 9.78 مليار يورو، يشكل الغاز الطبيعي الجزء الأكبر منها بقيمة 8.1 مليار يورو، أي ما يعادل 83 بالمائة من إجمالي الواردات.
ولا تقتصر التحركات الأوروبية نحو الجزائر على البعد الطاقوي فقط، بل تشمل أيضاً أبعادا سياسية وأمنية، في ظل موقع الجزائر الجيوسياسي في منطقة المتوسط والساحل، إذ ترى عدة دول أوروبية في الجزائر شريكا مهما في قضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، فضلا عن دورها في تسوية النزاعات الإقليمية.
-