ميشال عون... الحضور الدائم الذي أرادوا له الغياب (جومانا ناهض)

  • 07 November 2026
  • 4 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
  • منذ بداياته، والعماد ميشال عون شاغل الناس، حاضر في وجدان مؤيّديه، ومثير لقلق خصومه، ولا سيّما أولئك الذين لم يستطيعوا يومًا التكيّف مع حضوره السياسي الطاغي، أو تقبّل مواقفه التي شكّلت، بالنسبة إليهم، عقبةً أمام مشاريعهم وحساباتهم. فحضوره ليس مجرّد حضور سياسي عابر، بل حالة يصعب تجاوزها، واسمًا لا يسهل تغييبه عن الذاكرة والمشهد، وأثرًا دامغًا يهزّ مضاجعهم ويعترض مشاريعهم.
    منذ أن اختار طريق المواجهة، أصبح اسمه مادةً دائمةً للجدل، وصارت مواقفه تستنفر خصومه قبل أن تصل أصداؤها إلى مؤيّديه. حضوره يثير الأسئلة، وكلماته تستدعي الردود، ومواقفه تفتح أبوابًا لا تنتهي من السجالات. إن تكلّم، انشغلوا بكلماته، وحرّكوا الأقلام والمنابر للردّ عليه. وإن صمت، تساءلوا عن صمته، ونسجوا حوله التأويلات، وأطلقوا روايات لا يجد العقل السليم تفسيرًا لها. وإن اتّخذ موقفًا، وجدوا فيه ما ينتقدونه، لا وفق معايير موضوعيّة، بل انطلاقًا من خصومة تسبق الحكم وتوجّه الاتهام ولا تعترف بالحقّ بل تعمل فقط بالباطل. وإن لم يتّخذ قرارًا، حمّلوه مسؤولية ما لم يفعل، حتّى إنّهم حاسبوه أحيانًا على قرارات لا تدخل أصلًا في صلاحيات موقعه.
    وكأنّ المطلوب منه ألّا يكون، وألّا يتكلّم، وألّا يبقى حاضرًا في ذاكرة الناس. وكأنّ مجرّد حضوره يذكّر البعض بما لا يريدون تذكّره، ويعيد إلى الواجهة مواقف وحقائق يفضّلون ألّا تُستحضر. فالخلاف السياسي معه لم يعد، لدى البعض، مجرّد اختلاف في الرأي أو تباين في المواقف، بل تحوّل إلى خصومة لا تهدأ، ونقد لا ينتظر مناسبة، وهجوم يبحث عن أيّ عنوان، ولو كان واهيًا. وإن عجزوا عن مناقشة مواقفه، تصبح شخصيّته هدفًا، فلا يجدون عندها ما يقولونه في السياسة، لتتكفّل الشائعات والأقاويل بما تبقّى.
    حتى وضعه الصحّي لم يسلم من الشائعات والتكهّنات المغرضة، التي تطلّ بين الحين والآخر، وكأنّ إثارة القلق حول صحّته أو التشكيك في حالته محاولة للنيل من حضوره ومكانته. وكأنّهم يريدون، بالكلمة والشائعة، أن يُطفئوا صورة لم يستطع الزمن محوها، أو أن يخفتوا صوتًا ما زال صداه حاضرًا لدى جمهوره. لكنّ الحقيقة أنّ الشائعات، مهما تكرّرت، لا تصنع واقعًا، والحملات، مهما اشتدّت، لا تمحو تاريخًا، والخصومة، مهما طالت، لا تلغي أثر رجلٍ ارتبط اسمه بمحطات مفصليّة من تاريخ لبنان.
    وما يلفت النظر في مسيرته أنّه، حتى بعد مغادرته سدّة الرئاسة، لا يزال حاضرًا في حسابات الجميع، وكأنّ خروجه من قصر بعبدا لم يكن خروجًا من المشهد السياسي أو من ذاكرة الناس. والواقعة هنا صحيحة فهو إن خرج من الباب إلاّ أنّ تأثير وجوده ودوره وسياسته لم يغب عن وجدان من آمنوا به، ولا عن ذاكرة من اختلفوا معه.
    إنّ الذين يريدون إنهاء حضوره وإضعاف شعبيّته، من حيث لا يدرون يعيدون وضعه في صدارة المشهد.
    قد يختلف اللبنانيون حول ميشال عون، وقد تتباين قراءاتهم لتجربته ومواقفه، لكنّ ما لا يمكن تجاهله هو أنّه ترك بصمة سياسيّة وشخصيّة جعلت اسمه حاضرًا في النقاش العام، حتّى بعد مغادرته الرئاسة.
    فبعض الحضور لا تصنعه المناصب، ولا تقوّيه المنابر، بل تعمّقه شخصية تركت أثرًا في الذاكرة. ميشال عون قد يغيب عن الموقع، لكنّ اسمه سيبقى حاضرًا في المشهد، وتلك وحدها حكاية حضور لن يستطيع الغياب أن ينهيها.
    ميشال عون... شموخ الجبال منك يوصف. ولو صار لك من العمر مئة فالمئة من عمرك لنا قليل.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology